ويستجيزه، وغير هؤلاء من الكتاب الذين يغيبون ويحضرون منهم جماعة من بني هاشم، وله رسالة تعرف برسالة الضبعين كتبها إلى معز الدولة ثمال بن صالح يشكو إليه رجلين كانا يؤلبان عليه، وقد حرفا بيتًا من لزوم ما لا يلزم قال فيها: وفي حلب حماها الله نسخ من هذا الكتاب بخطوط قوم ثقات يعرفون ببني أبي هاشم أحرار نسكة، أيديهم بحبل الورع متمسكة، جرت عادتهم أن ينسخوا ما أمليه، وإن أحضرت ظهرت الحجة بما قلت فيه.
واتفق يوم وصوله إلى بغداد موت الشريف الطاهر يعني أبا أحمد الحسين بن موسى والد الشريفين: الرضي والمرتضى، فدخل أبو العلاء إلى عزائه والناس مجتمعون، والمجلس غاص بأهله، فتخطى رقاب الناس، فقال له بعضهم ولم يعرفه: إلى أين يا كلب؟ فقال: الكلب من لا يعرف للكلب كذا وكذا اسمًا، ثم جلس في أخريات المجلس إلى أن قام الشعراء، وأنشدوا، فقام أبو العلاء، وأنشد قصيدته التي أولها (١): [من الكامل]
يرثي بها الشريف المذكور. فلما سمعه ولداه الرضي والمرتضى قاما إليه، ورفعا مجلسه، وقالا له: لعلك أبو العلاء المعري؟ قال: نعم، فأكرماه واحترماه.
ثم إن أبا العلاء بعد ذلك طلب أن تعرض عليه الكتب التي في خزائن بغداد، فأدخل إليها، وجعل لا يقرأ عليه كتاب إلا حفظ جميع ما يقرأ عليه.
وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة.
وقيل له: بم بلغت هذه الرتبة في العلم؟ فقال: ما سمعت شيئًا إلا حفظته، وما حفظت شيئًا فأنسيته.
وحكى عنه تلميذه أبو زكريا التبريزي أنه كان قاعدًا في مسجده بمعرة النعمان يقرأ عليه شيئًا من تصانيفه. قال: وكنت قد أتممت عنده سنتين ولم أر أحدًا من بلدي، فدخل مغافصة المسجد بعض جيراننا للصلاة، فرأيته وعرفته، وتغيرت من الفرح، فقال لي أبو العلاء: ما أصابك؟ فحكيت له أني رأيت جارًا بعد أن لم ألق أحدًا من بلدي منذ سنتين فقال لي: قم وكلمه، فقلت: حتى أتمم السبق. فقال: قم، أنا أنتظرك، فقمت وكلمته بالأذربيجية شيئًا كثيرًا، إلى أن سألت عما أردت، فلما فرغت، وقعدت بين يديه، قال لي: أي لسان هذا؟ قلت لسان أهل أذربيجان، فقال: ما عرفت
(١) من قصيدة قوامها ٦٨ بيتًا في سقط الزند ١٥٠ - ١٥٥.