للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ممن أوتي ذكاء تتوقد زجاجته، وغناء تبلغ به فوق الكفاية حاجته. والناس فيه بين مكفّر ومعتقد له بالولاية، وما بين بين هذه الغاية.

واحتج الصاحب كمال الدين أبو القاسم عمر بن أبي جرادة المعروف بابن العديم له في المآخذ التي أخذت عليه، ونفذت بها سهام المؤاخذة إليه، وألف في هذا تأليفًا سماه الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري، قال فيه: إنني وقفت على جملة من مصنفات عالم معرة النعمان أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري، فوجدتها مشحونة بالفصاحة والبيان، مودعة فنونًا من الفوائد الحسان، محتوية على أنواع الأدب، مشتملة من علوم العرب على الخالص واللباب. لا يجد الطامح فيها سقطة ولا يدرك الكاشح فيها غلطة. ولما كانت مختصة بهذه الأوصاف، متميزة على غيرها عند أهل الإنصاف قصدوه جماعة لم يعوا عنه وعيه، وحسدوه إذ لما ينالوا سعيه، فتتبعوا كتبه على وجه الانتقاد، ووجدوها خالية من الزيغ والفساد. فحين علموا سلامتها من العيب والشين سلكوا فيها مسلك الكذب والمين، ورموه بالإلحاد والتعطيل والعدول عن سواء السبيل، فمنهم من وضع على لسانه أقوال الملحدة، ومنهم من حمل كلامه على غير المعنى الذي قصده، فجعلوا محاسنه عيوبًا، وحسناته ذنوبًا، وعقله حمقًا، وزهده فسقا، ورشقوه بأليم السهام، وأخرجوه عن الدين والإسلام، وحرَّفوا كلمه عن مواضعه، وأوقعوه في غير مواقعه. ولو نظر الطاعن كلامه بعين الرضا، وأغمد سيف الحسد من عليه انتضى، لأوسع له صدرًا وشرح، واستحسن ما ذمّ ومدح، لكن جرى الزمان على عاداته في مطالبة أهل الفضل بِتِرَاتِهِ، وقصدهم بإساءاته، فسلط عليه أبناءه، وجعلهم أعداءه، فقصدوه بالطعن والإساءة. واللبيب مقصود، والأديب عن بلوغ الغرض مصدود، وكل ذي نعمة محسود. ومن سلك في الفصاحة مسلكه، وأدرك من أنواع العلوم ما أدركه، وقصد في كتبه الغريب، وأودعها كل معنى غريب كان للطاعن سبيل إلى عكس معانيها، وقلبها وتحريفها عن وجوهها المقصودة وسلبها. ألا ترى إلى كتاب الله العزيز المحتوي على المنع والتجويز الذي لا يقبل التبديل في شيء من صحفه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كيف أحال جماعة من أرباب الأقاويل تأويله إلى غير وجه التأويل، فصرفوا تأويله إلى ما أرادوا، فما أحسنوا في ذلك ولا أجادوا. فما ظنك بكلام رجل من البشر ليس بمعصوم إن زلّ أو عثر، وقد تعمق في فصيح الكلام وأتى من اللغات بما لا يتيسر لغيره ولا يرام، وأودعها في كلامه أحسن إيداع، وأبرزها في النظم البديع والأسجاع، وإذا قصده بعض الحساد فحمل كلامه على غير ما أراد. وقد وضع

<<  <  ج: ص:  >  >>