بلالة، والبدر الذي ذهب أثره في الهالة، والذكاء الذي لا يذكر معه سواه إلا علالة، والكرم الذي لا يُفضي إلا مَلَالة، والشرف الذي غني بنفسه فلا يحتاج إلا دلالة. أتى في هذا البيت ندره، وطلع شاعرًا مِدْرَه، يذكر من سلفه الكريم منائح الآباء وقرائح الألباء، فطفق ينثر درّه، ويثير خواطر له عليها قدره، ومواطر لو وقعت على النهر، لوشح بجوهرها صدره، أو سقطت إلى غيور حيي أسكن عُرُبَها الأبكار خدره، وزاد فخار العقب المأموني، وزان أقمار النسب الهاروني، وانتهى إليه ميراث فضل المأمون، وحطت لديه ركائب حموله، وشاد بذكره هو لا دعبل بعد طول خموله.
وأثنى عليه صاحب اليتيمة (١) ثناءً لو أنه على الروض، لما خاف أن يمشي بالنميمة. ومن كلمه التي نقطف نوارها، ونتحف بمجاج النحل ثمارها، ويصرف دجى الليل ضوء مدامها المتوقد إلا أنه نورها لا نارها، قوله يذكر دارًا بناها بعض الرؤساء من قصيدة (٢): [من الخفيف]
ضاقتِ الأرضُ عنكَ فارْتَدْتَ رَبْعًا … يسعُ البحر والحيا والسماحا
فهنيئًا منها بدار حوت منـ … ك جبالًا من الحلوم رِجَاحا
ذاتِ صحن كرَحبِ صدرِكَ قد زا … دَ على ظن آمليك انفساحا
يُفرسُ الصَّدُّ في ذراها من التقـ … ـبيل غَرْسًا فتجتنيه نجاحا
ما بكاء الرياض بالطَّلِّ إلا … خجلًا من رياضها وافتضاحا
وكأن الأبوابَ صَحْب تلاقيـ … ـنَ انغلاقًا ثم افترقن انفتاحا
وكأنَّ الستور قد نُقِش الطا … ووس فيها مِنْ كلّ بابٍ جناحا
وكأن الجامات فيها شموس … أطلَعَتْها ذرى القباب صباحا
= العباسي. ولد وتعلم ببغداد، وسافر إلى الري، فامتدح الصاحب بن عباد، وأقام عنده مدة في أرفع منزلة، فحسده ندماء الصاحب وسعوا فيه إليه بالأباطيل، فشعر بهم أبو طالب، فأستأذن بالسفر، فأذن له، فانتقل إلى نيسابور ثم إلى بخارى. ولقي فيها بعض أولاد الخلفاء كابن المهدي وابن المستكفي وغيرهما. قال الثعالبي: رأيت المأموني ببخارى سنة ٣٨٢ وكان يسمو بهمته إلى الخلافة، ويمني نفسه في قصد بغداد بجيوش تنضم إليه من خراسان، لفتحها» ثم ذكر أنه عاجلته المنيه بعلة الاستسقاء. ومات سنة ٣٨٣ هـ/ ٩٩٣ م قبل أن يبلغ الأربعين. كتب عن حياته وجمع شعره وحققه د. رشيد عبد الرحمن العبيدي ط بغداد ١٤١٠ هـ/ ١٩٨٩ م. ترجمة في: فوات الوفيات/ ١/ ٢٧٣ وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٥٠١ - ٥٠٢ رقم ٣٧١، ويتيمة الدهر ٤/ ١٦١ - ١٩١، الأعلام ٤/ ٥، معجم الشعراء للجبوري ٣/ ١٦٢. (١) انظر: يتيمة الدهر ٤/ ١٦١ وما بعدها. (٢) من قصيدة قوامها ٥٠ بيتًا في يتيمة الدهر ٤/ ١٦٩ - ١٧١، وديوانه ١٢٧ - ١٣٦.