البحتري، وينظم عقد الإحسان والإتقان في كل ما يتعاطاه.
وله يقول الصاحب: [من الطويل]
إذا نحن سلمنا لك العلم كلَّهُ … فَدَعْ هذه الألفاظ ننظم شُذُورَها
وقد كان في صباه خلف الخضر في قطع الأرض، وتدويخ البلاد من العراق والشام وغيرها، واقتبس من أنواع العلوم والآداب ما صار في العلوم علمًا وفي الكمال عالمًا (١). انتهى ثناؤه المنصوص، وتقريظه الذي كأنه نقش الفصوص.
وأنا ذاكر من شعره ملحا، أجيء بها على منطقة البروج مستفتحا، تحلق بجناحي باز مطل، وتخلف الصبا وراءها ذاتَ نَفَسٍ منقطع، وأثر مضمحل. حكم تلقفها، ثم ثقفها، ومعان اخترفها، ثم لطفها فيما عرفها. رقت مزاجًا، وراقت كالراح، فامتزجت بالأرواح امتزاجًا بقية أسفار صَقَلَتها صقل العيون، ونجية أفكار شَفَتْ عنها مخيلات الظنون، ولولا أن الأدب كالدرهم والدينار لا يلتذ به صاحبه إلا إذا طار، لكانت هذه النفائس مما يضن به فلا تُذال، وتغار عليه يد حوته فما تبذله ولو مثقالًا بألف مثقال.
من ذلك قوله (٢): [من السريع]
أفدي الذي قال وفي كفّه … مثلُ الذي أشرب من فيه:
الوَرْدُ قد أينع في وجنتي … قلت: فمي باللثم يجنيه
وقوله (٣): [من المنسرح]
بالله فُضَ العقيق عنْ بَرَدٍ … بَرْقُ أقاحيه من مدام فمه
وامسح غوالي العذار عن قمرٍ … يعضُّ بالوَرْدِ خدَّ مَلتثمه
قل للسقام الذي بناظرِهِ … دَعْهُ وأَشْرِكْ حشاي في سَقَمِه
كلُّ غرام تُخَافُ فتنتُهُ … فبين الحاظِهِ ومُبْتَسَمِه
وقوله (٤): [من السريع]
قد بَرحَ الشوقُ بمشتاقك … فأوْلِهِ أحسن أخلاقك
لا تجفه وارع لهُ حقَّهُ … فإنه خاتم عُشاقك
وقوله (٥): [من المنسرح]
(١) يتيمة الدهر ٣/ ٤.
(٢) البيتان في يتيمة الدهر ٤/ ٩، وديوانه ١٤٦.
(٣) القطعة في يتيمة الدهر ٤/ ١٠، ديوانه ١٤٢.
(٤) البيتان في يتيمة الدهر ٤/ ١٠، وديوانه ١١٠.
(٥) القطعة في يتيمة الدهر ٤/ ١٠، وديوانه ١٣٤.