يُبعد المدى في مضمار الأدب، وحلبة الكتابة، وأخذ بطَرَفَيْ النظم والنثر، وكان سيف الدولة لا يؤثر عليه في السفارة إلى الحضرة [أحدًا] لحسن عبارته، وقوة بيانه، ونفاذه في استغراق الأغراض، وتحصيل المراد» (١)، وأنّه «كان يعجن مداده بالمسك، ولا تلاق دواته إلا بماء الورد، تفاديًا من قول القائل: [من الوافر]
دعيَّ في الكِتابَةِ لا رَوِيٌّ … له فيها يُعَدُّ ولا بَدِيهُ
كأنَّ دَواتُهُ مِنْ رِيقِ فِيهِ … تُلاقُ فَرِيحُها أبدًا كَرِيهُ
وإيثارًا لما قال الآخر: [من الرجز]
في كَفِّهِ مثلُ سِنانِ الصَّعْدَة
أرقش بزَّ الأفعوان جلده
كأنما النقش إذا استمده
غاليةٌ مَدَوْفَةُ بِنَده» (٢)
وإذ قد فرغنا من الثعالبي في قصصه، وأتينا من خبر هذا التقريظ بملخصه، فها أنا أُدير على سمعك من نطفه، ما يندي قلبك بترشفه، وأروقك بما يشوقك من نتفه الشفافة، فما قدر السلافة وعفوه الذي حصل على صفوه ما يعول لو أخذ الليل مدادًا حتى لا يجد القمر سوادًا يجوب فيه الفلك تردادًا، وأخلى العيون من كحلها الباصر، والأفئدة من حبّها المرعي بالخواطر، واستقطر ماء الآفاق لدواة تلاق، وأخذ لها الشعور من الحور، وانتزع رمح السماك من مقلّده، فبراه قلمًا يكتب به في يده، لكان باستحقاقه، ولما أنفت هذه المواد من استرقاقه. وإليك ما وعدتك به آنفًا، وهجتك لاستشرافه واصفًا. منه قوله (٣): [من البسيط]
قُم فاسقني بين خَفْقِ النَّاي والعُودِ … ولا تبع طِيبُ موجود بمفقود
كأسًا إذا أبصرت في القومِ مُحتَشِمًا … قال السرور له: قُم غَيرُ مَطرود
نحنُ الشهود وخفق العُودِ خاطِبُنا … نزوّجُ ابن سحاب بنت عنقود
وقوله في غلام كان يحبّه استوحش لميله إلى غلام آخر اسمه إقبال (٤): [من الكامل]
أنكرت إقبالي على إقبالِ … وخشيتُ أن تتساويا في الحال
هيهات لا تجزع فكل طريفةٍ … ريح تمرّ وأنت رأس المال
(١) يتيمة الدهر ١/ ١٠١.
(٢) يتيمة الدهر ١/ ١٠٢ - ١٠٣.
(٣) القطعة في يتيمة الدهر ١/ ١٠٣.
(٤) القطعة في يتيمة الدهر ١/ ١٠٣.