بدار البطيخ ينادي على الفواكه (١) وقال: «وما زال يشعر حتى جاد كلامه، وساد شعره، ووقع منه ما يروق، ويشرق ويفوق، حتى بلغ العيوق» (٢). انتهى كلامه، والتهي عن بدره، وما تم تمامه. كان نظمه زهرًا، ورقمه باهرًا يحوي صدره زاخرًا، ويهدي شعره طيف الحبيب زائرًا، وله الاستعارات اللائقة في مواضعها، الفائقة بما لا تطلع معه النجوم في مطالعها، المتماثلة في أماكنها المتقابلة حسنًا في مواطنها، المتناسبة في معادنها المناسبة جواهر، وبيوتها بيوت خزائنها.
قد يوجد في ديوانه زيادات كالشغا نقص بها، ونقد أهل التمييز شعره بسببها، حصلت من جهة الرواة آفاتها وما آفة الأخبار إلا رواتها. على أنَّ ما صحت للوأواء روايته، ووضحت في الأدباء آيته أجلى من النهار غب السحاب، وأحلى من العقار في مراشف الأحباب. عجبًا له كان ينادي على الفاكهة، وتعقل أفنانه وقد تهدلت ثمراتها، وتهللت سافرة مبراتها. اللهم إلا أن احتال له عذرا، وقال تلك درر لا ثمر يباع ويشرى، فإنّه لا يجد إلا مَنْ يسلّم إليه، ويدع الإنكار، ويعترف بأنه بحر يقذف اللؤلؤ. ومن جداوله دوح تخرج الثمار. ومما له من المختار قوله (٣): [من الكامل]
حازَ الجمالَ بأسرهِ فكأنَّما … قُسِمَتْ محاسِنهُ على الأشياءِ
متبسم عن لؤلؤ رطب حكى … بَرَدًا تساقط من عُقُودِ سماءِ
تُغني عن التفاح حُمْرَةُ خده … وتنوب ريقتُه عن الصهباءِ
ويدير عينًا في حديقة نرجس … كسوادِ يأس في بياض رجاء
فامزج بمائك راح كأسك واسقني … فلقد مزجت مدامعي بدمائي
وكأن مخنقة عليها جوهر ما … بين نارِ رُكَبَت وهواء
ويظل صباغ الحياء محكمًا … في نقض حمرتها بأيدي الماء
وكأنّها وكأنّ حامل كأسها … إذا قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقط وجهها … بدر الدجى بكواكب الجوزاء
ومنه قوله (٤): [من الطويل]
أمغنى الهوى غالتك أيدي النوائب … فأصبحت مغنى للصبا والجَنَائِبِ
(١) يتيمة الدهر ١/ ٢٧٢.
(٢) يتيمة الدهر ١/ ٢٧٢.
(٣) من قصيدة قوامها ١٦ بيتًا في ديوانه ٣ - ٦ وبعضها في يتيمة الدهر ١/ ٢٧٤.
(٤) من قصيدة قوامها ٥٣ بيتًا في ديوانه ١٦ - ٢٣.