للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما أخذ بطرف مباحث إلا جد، ومنجمًا أتقن أحكام النجوم إلا ما شد، هذا على أنه إنما يتقن نكته الأدبية فإنّها النجوم الزاهرة، ويتكلّم بالعلوم الباطنة على أحكامها الظاهرة، وكان طبّاخًا مجيدًا لا تُعدّ ألوانه، ولا يُمَدّ إلا بين سماطي الملوك خوانه، وله بدائع في وصف المواقد والنيران وألوان الطعام، ولم يحضرني في هذا الوقت … ولا ديوانه، وإنّما غلب عليه الشعر حتى عُرف به دون بقية ما يعرفه، واشتهر بنقده مما كان مثل الذهب الإبريز يصرفه بلطف لو دبّ ماؤه في الخدود لصبغها، أو جال في مراشف الكؤوس لسوّغها، وكتب فأراش السهام وبراها، وطيب الأفهام فأبراها، وصب الأقلام في نحور الرماح فدراها، وأصدر الأعلام إلى مواقف النُّصرة كأنه على معاقد البنود قراها ببصيرة وريَّة، وبديهية على اختلاف المعاني جرية، ومسدّدات من الآراء يزيل بها الظنون شبههاوتستجلب النعم سبهها لإرادة تجلو عن مُقلِ الأسنة مرهمها، وسعادة كانت تأتيه من قبل أمور كثيرة ولو كرهها، فهو لج والبحر شاطئه، وكوكب وما النجم إلا ما هو يواطئه وكثيرًا ما نَحَلَ إليه السريّ الرّفاء مما ينسب إلى الخالديين بنات أفكاره، ومن جيد ما وقع لي من صالح أشعاره قوله (١): [من المجتث]

بي منك ما لو وزنت أيسره … بما على الأرض كلها وَزَنا

لو قيل من أحسن الأنام ومَنْ … أعشقهم قلتُ: هذه وأنا

وقوله (٢): [من المديد]

خوفوني من فضيحته … ليته وأتى وأفتضح

ذَهَبِيُّ الخدّ تحسبُ مِنْ … وجنته النار تقتدح

صد إذا مازحته غضبًا … ما على الأحباب إذ مزحوا

وهو لا يدري لنخوته … أنّنا في النوم نصطلح

وقوله (٣): [من الوافر]

غدا وغدا تورّد وجنتيه … لعين محبّه يصف الرياضا

كتمت هواه حتى فاض دمعي … فصيَّره حديثًا مستفاضا

وقوله (٤): [من الخفيف]


(١) من قصيدة قوامها ٦ أبيات في ديوانه ٤٥٩ - ٤٦٠.
(٢) من قطعة قوامها ١٠ أبيات في ديوانه ١٠٩.
(٣) من قطعة قوامها ٥ أبيات في ديوانه ٢٩٧.
(٤) القطعة في ديوانه ٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>