وحدثني السني البعلبكي: أن اليبرودي عبر يومًا في سوق جيرون بدمشق، فرأى إنسانًا وقد بايع على أن يأكل أرطالًا من لحم الفرس مصلوقة مما يباع في الأسواق، فلما رآه وقد أمعن في أكله بأكثر مما تحمله قوته، ثم شرب بعده فقاعًا كثيرًا أو ماء بثلج، واضطربت أحواله فتفرس فيه أنه لا بد أن يغمى عليه، وأن يكون في حالة أقرب إلى الموت إن لم يتلاحق، فتبعه إلى المنزل الذي له، واستشرف إلى ماذا يؤول أمره. فلم يكن إلا أيسر وقت، وأهله يصيحون ويضجون بالبكاء ويزعمون أنه قد مات فأتى إليهم وقال: أنا أبرئه وما عليه بأس. ثم إنه أخذه إلى حمام قريب من ذلك الموضع وفتح فكيه كرهًا، ثم سكب في حلقه ماء حارًا وقد أضاف إليه أدوية مقوية للقيء وقيأه برفق. ثم عالجه وتلطف في مداواته حتى أفاق وعاد إلى صحته. فتعجب الناس منه في ذلك الفعل وحسن تأتيه إلى مداواة ذلك الرجل، واشتهرت عنه هذه القضية، وتميز بعدها.
وهذه الحكاية التي قصد اليبرودي على تتبع أحوال الرجل فيها ويشاهد ما يكون من أمره أن يكون عنده معرفة بالأعراض التي تحدث له، وأن ينقذه أيضًا مما وقع فيه إن أمكنه معالجته.
ومثل ذلك أيضًا ما حكاه أبو جعفر أحمد بن محمد بن الأشعث في كتاب «الغاذي والمغتذي»، وذلك أنه قال: إن إنسانًا رأيته يومًا وقد بايع أن يأكل جزرًا قدره بحد ما، فحضرت أكله لأرى ما يكون من حاله، لا رغبة مني لمجالسة من هذه حالته، ولا لي بذلك عادة ولله الحمد؛ بل لأرى إيراد الغذاء على المعدة قسرًا إلى ماذا يكون هذا الفعل، فرأيته يأكل من حائط ليرى من حوله ويضاحكهم، حتى إذا مر على الكثير مما كان بين يديه فرأيت الجزر ممضوغًا قد خرج من حلقه ملتفًا مستحيلًا متعجنًا بريقه؛ وقد جحظت عيناه، وانقطع نفسه، واحمر لونه، ودرت أوداجه، وعروق رأسه، وأزبد وكمد وجهه، وعرض له من التهوع أكثر مما عرض له من القذف حتى رمى من ذلك الذي أكله شيئًا كثيرًا. فزكنت أن انقطاع نفسه لدفع المعدة حجابه إلى نحو الفم، ومنعها إياه من الرجوع إلى الانبساط إلى النفس. وأما ما عرض إلى لونه من الاحمرار ودرور وداجيه وعروقه فزكنت أنه لإقبال الطبيعة نحو رأسه، كما يعرض لمن شدّت يده للفصد أن تقبل الطبيعة نحو الجهة التي استنهضت نحوها. فأما ما عرض لوجهه من الاربداد والكهوبة فرأيت أيضًا أنه لسوء مزاج قلبه، وأنه لو لم يخرج ما خرج، ودافعت المعدة حجابه هذه المدافعة التي قد عاقته آلته عن التنفس، عرض له الموت بالاختناق، كما قد رأينا ذلك في عدد كثير ماتوا بعقب القذف. فزكنت من ذلك أن التهوع لشدة اضطراب في ذلك الفصل وحسن تأتيه ونقي المعدة.
قال ابن أبي الأشعث بعد ذلك: إن الغذاء إذا حصل في المعدة وهو كثير الكمية، تمددت تمددًا ينبسط سائر غصونها، كما رأيت ذلك في سَبع شرحته حيًا بحضرة الأمير