[٨٤] الرشيد الصوري، أبو منصور بن أبي الفضل بن علي (١)
رجل تهادته الملوك، وهادنته الأيام لحسن السلوك، وكان الحظ معه حيثما خيم، والسعد قرينه أينما يمم، وهو من بيت تعد معه رجال، وتمتع الدهر بهم إلى آجال، وطالما زهت بهم الأيام الخوالي، وحسنت بهم الليالي الحوالي، وكان هو آخرهم الذي كان لمسكهم ختامًا، وضرب لهم حول قباب الجوزاء خيامًا.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): اشتمل على جملة من الصناعة الطبية، واطلع على محاسنها الجلية والخفية، وكان فريدًا في الأدوية المفردة وماهيتها، واختلاف أسمائها وصفاتها، وتحقيق خواصها وتأثيراتها. اشتغل على عبد اللطيف البغدادي بالقدس سنتين، وصحب الجياني، وكان عارفًا بالأدوية المفردة فانتفع به واشتغل بها، مع ما هو عليه من المروءة التي لا مزيد عليها، والعصبية التي لم يسبق إليها، والمعرفة المذكورة، والشجاعة المشهورة، وخدم بالطب العادل، ثم صار إلى المعظم، وحضر معه دمياط، ثم صار إلى الناصر داود، فلما توجه إلى الكرك أقام الرشيد بدمشق، وكان يشتغل بها.
ولأبي نصر المهذب الحلبي فيه مديح منه:[من الطويل]
سرى طيفها والكاشحونَ هُجودُ … فبات قريبًا والمزار بعيد
وتالله ما عاد الخيال وإنما … تُخيّلُهُ الأفكار لي فيعود
(١) رشيد الدين بن أبي الفضل بن علي الصوري: عالم بالنبات والطب. مولده في صور (بساحل لبنان) سنة ٥٧٣ هـ/ ١١٧٧ م وإليها نسبته. وانتقل إلى القدس فأقام سنتين، فمر بها الملك العادل فاستصحبه معه (سنة ٦١٢ هـ) إلى مصر، فبقي في خدمته. ثم خدم ابنه الملك المعظم، فالناصر ابن المعظم. وجعله هذا رئيسًا للأطباء، فبقي معه إلى أن توجه الناصر إلى الكرك، فأقام رشيد الدين بدمشق فتوفي فيها سنة ٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م. كان مولعًا بالتنقيب عن غريب النباتات والحشائش، يستصحب مصورًا، معه الأصباغ والليق على اختلافها ويتوجه إلى المواضع التي فيها النبات فيشاهده ويحققه ويريه للمصور فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله ويصور بحسبها، وكان يُري المصور النبات في إبان نباته وطراوته فيصوره، ثم يريه إياه وقت كماله وظهور بزره فيصوره تلو ذلك، ثم يريه إياه في وقت ذواه ويبسه فيصوره. وقد أتى على ذكر كثير من هذه الأعشاب في كتابيه «الأدوية المفردة» و «التاج». ترجمته في: عيون الأنباء ٦٩٩ - ٧٠٣، الوافي بالوفيات ١٤/ ١٢٥ رقم ١٦٠، تاريخ الإسلام (السنوات ٦٣١ - ٦٤٠ هـ) ص ٣٩٩ رقم ٥٨٧، هدية العارفين ١/ ٣٦٨. (٢) عيون الأنباء ٦٩٩ - ٧٠٠.