نور الدين بقلعة حلب حظية يميل إليها فمرضت مرضةً أعيت على الأطباء، فأحضر إليها سكرة الحكيم، فوجدها قليلة الأكل، متغيرة المزاج، فسألها عن جنسها فأخبرته بأنها علانية، ثم سألها عما كانت تأكل في بلادهم، فقالت: لحم البقر، فسألها عما كانت تشرب، فقالت: الخمر، فقال لها: ابشري بالعافية، ثم ذهب فاشترى عجلًا وصلق من لحمه، ثم عمل معه شيئًا من لبن وثوم، وأخذ معه خمرًا، وأتى به فأطعمها، وأكلت منه بنهمة كبيرة، ثم سقاها، فطلبت النوم، فنامت وغطيت بدثار، فعرقت عرقًا كثيرًا، وأصبحت في عافية، ولازمها بمثل ما عالجها به حتى برئت، فبعثت إليه بصينية مملوءة من الحلي، ثم كتبت إلى نور الدين تعلمه بعجز الأطباء عنها، وأن عافيتها كانت على يده، فلما قرأ الكتاب طلبه وعرفه بما قالت ثم مناه فسأله عشرة أفدنة في قريتي صمع وعيدان، فكتبها له ملكًا ثم عاد إلى حلب وكثرت أمواله، ولم يزل في نعمة طائلة هو وبنوه.
ومنهم:
[٧٨] أسعد بن المطران، الموفق (١)
طَبِيبٌ على نصرانيته وتدينه بدنيته، قد تَحَلَّى بمحاسن الشيم وحَلَّ الغاية لولا الشمم، ودنا من الملوك مجلسًا، وترك حاسده المضنوك مُبلسًا، وأطالت النعمة رياشه، ونفضت على فائض النوء رشاشه، وأثرى بالحضرة الصلاحية حتى ابتل عوده في الثرى، وشمخ هرم ماله إلى الذرى، وكان على هذا الوفر والحظ الذي ما ذُرِّبَ بمثله سفر، يتجنى على السلطان والذنب ذنبه، ويتناوم عليه ولا يهدأ جنبه.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان للسلطان صلاح الدين فيه اعتقاد وأسلم في أيامه، وكان يغلب على ابن المطران الكبرياء حتى على الملوك وكان يعلم صلاح الدين ذلك منه.
وحكى عنه من كان معه في بعض غزواته أن صلاح الدين كان ينصب له في أوقات حروبه خيمة حمراء بدهليز أحمر وميضاة حمراء، فبينا هو راكب وإذا به قد نظر إلى خيمة حمراء ظنها خيمته، فسأل لمن هي؟ فقيل له: لابن المطران الطبيب فضحك، وقال: والله قد عرفت هذا من حماقته، ثم قال: ما بنا إلا أن يعبر أحد من الرسل فيعتقد أنها خيمة أحد الملوك، وإذا كان لا بد فيغير ميضاتها، فيصعب هذا على ابن المطران، وبقي يومين لا يأتي الخدمة حتى ترضاه صلاح الدين وأعطاه مالًا.
وشكا أبو الفرج البطروي الطبيب إلى صلاح الدين ضرره ببنات له يريد تجهيزهن، فأمر أن يكتب ورقة بما يحتاج إليه، فكتب شيئًا بنحو ثلاثين ألف درهم،