والناس فيه وفي النفيس على خلاف، وكل واحد منهما فريق يتعصب له، ويقطع بتفضيله، والإنصاف أن النفيس كان أقعد بالعمليات، والمهذب كان أقعد بالعلميات؛ لكونه يشغله خدمة الأمراء عن المباشرة، وكان رأس أهل زمانه في التعليم، والتقريب إلى الإفهام، وكان جامعًا للطب، بارعًا في فنونه، مفترعًا لأبكاره وعونه، وكان يربأ بنفسه عن التمحض للاسترزاق بالطب، وكانت له بلالة من الرزق تعله، وقليل من متاع الدنيا يغنيه قله، ونشأت له عدة وافرة من التلاميذ وتقدموا واشتهروا باسمه وبانتسابهم إليه، وإلى اشتغالهم عليه. وهو والد الحكيم الفاضل غنايم الآتي ذكره، والوافي كما يجب شكره.
ومنهم:
[٩٧] النفيس، أبو الفرج ابن إسحاق بن أبي الخير السامري (٢)
طبيب جرى على مجال جالينوس، وتقدم وإن جاء بعد اسقلنينوس لو رآه الدخوار لخار، أو الرئيس صاحب الدلالة لحار، أو ابن التلميذ لتتلمذ لطبه، أو الرحبي لرحب به، وفقد حاسة بصره لا بصيرته، وحناه الكبر وهو على وثيرته، ولم يبق في وقته من أكابر الأطباء إلا من كان يحسده على فضله، ولا يسعه إلا الاعتراف، فإذا أراد التنقص به لا يجد سبيلًا أكثر من أنه يقول: إنه فقد حاسة البصر وبها كان يرى السحنة التي يستدل بها ويرى بها العاملات، وكان جل زمانه للإقراء والإشغال في علم الطب وفروعه والتوقيف على دقائقه، والإجازة في حسن التعليم والتوقيف والتثقيف فأنشأ أهل ذلك الجيل، وتخرجوا عليه حتى تأهلوا، وبرعوا في الطب وزكوا، وأذن لهم في الطب والتصرف، وكلهم من عذبه الزلال استقوا، ومن شعبه ذي الأطلال ارتقوا.
وكان النفيس ريض الأخلاق، طويل الروح، كثير الاحتمال. كان للأمين سليمان
(١) ترجمته في: معجم الأطباء ٥٢٢ - ٥٢٣ عن المسالك. (٢) ترجمته في: معجم الأطباء ٥٠٣ - ٥٠٤ عن المسالك.