وستمائة، وكان أبوه الموفق يعقوب صديقًا لي مستمرًا على أكيد مودته حافظًا لها طول أيامه ودهره، تستحلى نفائس مجالسته وتستجلى عرائس مؤانسته. ألمعي أوانه، وأصمعي زمانه، مجيدًا في حفظ الأشعار، علامة في نقل التواريخ والأخبار، متقدمًا في علم العربية، فاضلًا في الفنون الأدبية، استمل في الكتابة على أصولها وفروعها، وبلغ الغاية من بعيدها وبديعها، وله الخط المنسوب الذي هو نزهة الأبصار، والعناية التي لا تلحق في جميع الأقطار والأمصار. وكان في أيام ابن العزيز كاتبًا بصرخد والنجابة تلوح على ولده أبي الفرج من صغره كما تحقق منه في كبره. وافر الذكاء، محبًا للعلماء، فسألني أبوه في تعليمه، فقرأ علي ما عرف به أقسام الأسقام وحسم العلل، ثم انتقل أبوه إلى دمشق، وخدم بها، وسافر معه ولده ولقي العلماء ولازم الفضلاء، وقرأ الحكمة على الخسروشاهي والغنوي الضرير، وقرأ الطب على ابن المنفاخ، والموفق السامري، وقرأ او قليدس على المؤيدي العرضي وفهمه فهمًا فتح به مقفل أقفاله، وحل به مشكل أشكاله، ثم خدم بقلعة عجلون ثم عاد إلى دمشق، وخدم السلطان بها.
وذكر الجزري في تاريخه قال: سألت أبا الفرج ابن القف عن مرض قاضي القضاة عز الدين بن الصايغ فقال: يموت بعد مدة عينها، وعن نفسه أنه يموت بعده بمدة عينها، فقلت له: ايش سبب ذلك؟ فقال: القاضي كذب عليه، فحصل له مراقيا سوداوية غارت إلى قلبه، فتقتله سريعًا غير أني أشرب الخمر، فأظهره الشراب إلى ظاهري، فأورثني الصفرة في جميع البدن، فأنا أبقى مدة عينها. فاعتبرت قوله فكان كما قال. وقلت له: أنت من كبار الفضلاء ولك تصانيف في الطب، ما تدفع عنك، فقال: علة الموت ما لها دواء. وكان يتحسر على نفسه.
قلت: وأنشدني القاسم بن المظفر محمود بن عساكر لنفسه أجازة في مرض الحكيم ابن القف المذكور: [من الخفيف]
قيل إن ابن القفُّ أَشفَى على المَوتِ … وَلَمْ يبقَ منه غيرُ رَسِيس