للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الغضنفر، وقد استصغر بعض الحاضرين معدته، فتقدمت بصب الماء في فيه، فما زلنا نصب في حلقه دورقًا بعد أخرى حتى عددنا من الدواريق عددًا كان مقدار ما حوت معدته نحو أربعين رطلًا ماء، فنظرت إذ ذاك إلى الطبقة الداخلية، وقد امتدت حتى صار له سطحًا مستويًا ليس بدون استواء الخارج، ثم شققتها فعندما اجتمعت عند خروج الماء منها عاد غضون الداخلة وألتوت يشهد الله في جميع ذلك الا ترسل نفسه.

وحدثني الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم بن علي قال: حدثني موفق الدين أسعد بن الياس بن المطران قال: حدثني أبي، عن خالي أبي الفرج بن حيان قال: حدثني أبو الكرم الطبيب قال: كنت يومًا أساير الشيخ أبا الفرج اليبرودي إذ اعترضه رجل، فقال: يا سيدي كنت في صناعتي هذه في الحمام وحلقت رأسي وأوجد الآن في وجهي كله انتفاخًا وحرارة عظيمة. قال: فنظرنا إلى وجهه يربو وينتفخ وتزيد حمرته بغير توقف ولا تدريج. قال: فأمره أن يكشف رأسه ويتلقى من الجارية من قناة كانت بين يديه، وكان الزمان إذ ذاك صميم الشتاء وغاية البرد، ثم لم يزل واقفًا حتى بلغ ما أراد مما أمر به. ثم أمر الرجل بالانصراف وأشار إليه بالأوفق له، وهو تلطيف التدبير واستعمال النقوع الحامض مبردًا، وقطع الزفر. قال: فامتنع أن يحدث.

وقال الطرطوشي في كتاب «سراج الملوك»: حدثني بعض الشاميين أن رجلًا خبازًا بينما هو يخبز في تنوره بمدينة دمشق إذ عبر عليه رجل يبيع المشمش فاشترى منه، وجعل يأكله بالخبز الحار فلما فرغ سقط مغشيًا عليه. فنظروا فإذا هو ميت، فجعلوا يتربصون به ويحملون له الأطباء فيلتمسون دلائله، ومواضع الحياة منه. فلم يجدوا، فقضوا بموته. فغسل وكفن وصلي عليه، وخرجوا به إلى الجبانة. فبينما هم في الطريق على باب البلد إذ استقبلهم رجل طبيب يقال له اليبرودي، وكان طبيبًا ماهرًا حاذقًا فاضلًا عارفًا بالطب، فسمع الناس يلهجون بقضيته، فقال: حطوه حتى أراه. فوضعوه، فجعل يقلبه، وينظر في إمارات الحياة التي يعرفها. ثم فتح فمه وسقاه شيئًا، أو قال حقنه فاندفع هناك، فإذا الرجل قد فتح عينيه وتكلم وعاد إلى حانوته كما كان.

وحدثني الشيخ مهذب الدين عبد الرحيم بن علي عن موفق الدين أسعد بن الياس بن المطران قال: حدثني أبي، قال: حدثني عبد الله بن رجاء بن يعقوب. قال: بلغني أن أبا الفرج جرجس بن يوحنا اليبرودي لما توفي ظهر في تركته ثلثمائة مقطع رومي وخمسمائة قطعة فضة ألطفها ثلثمائة درهم. قال موفق الدين بن المطران: وليس ذلك يكثر لأن الشخص متى تحققت أعماله وصفت نيته، وطلب الحق، وعامل الصحيح واجتهد في معرفة صناعته، كان حقًا على الله أن يرزقه ومتى كان بالضد، عاش فقيرًا، ومات يائسًا (١).


(١) إلى هنا ينتهي النقل عن عيون الأنباء ٦١٠ - ٦١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>