إذا كان الأمر هكذا فإننا، في مواضعنا قد اعتدنا أنه متى كان نهر جار وأردنا أن نقطع الماء عنه فأنا نجعل له مسيلًا إلى ناحية أخرى غير مسامتة، فينقطع من ذلك الموضع ويعود إلى الموضع الآخر، فأنت لم لا تفعل هكذا أيضًا وتفصده من الناحية الأخرى؟ ففعل ذلك وانقطع الرعاف عن الرجل. وقال ذلك الطبيب لليبرودي: لو أنك تشتغل بصناعة الطب جاء منك طبيب حاذق. فما اليبرودي إلى قوله، وتاقت نفسه إلى العلم، وبقي مترددًا إلى الشيخ في أوقات، وهو يعرفه ويريه أشياء من المداواة. ثم إنه ترك يبرود وما كان يعانيه، وأقام بدمشق يتعلم أشياء من المداواة وصناعة الطب. فلما تبصر من أشياء منها، وصارت له معرفة بالقوانين العلمية، وحاول مداواة المرضى، ورأى اختلاف الأمراض وأسبابها وعلاماتها، وتيقن علاجاتها، سأل عمن هو إمام في وقته بمعرفة صناعة الطب جيدًا. فذكروا له أن ببغداد أبا الفرج بن الطيب كاتب الجاثليق، وأنه فيلسوف متفنن، وله خبرة وفضل في صناعة الطب وفي غيرها من الصنائه الحكمية، فتأهب للسفر وأخذ سوارًا كان لامه لينفقه، وتوجه إلى بغداد، وصار ينفق عليه ما يقوم بأوده، ويشتغل على ابن الطيب إلى أن مهر في صناعته وصارت له مباحثات جيدة، ودربة فاضلة في هذه الصناعة. واشتغل أيضًا بشيء من المنطق والعلوم الحكمية. ثم عاد إلى دمشق وأقام بها.
ونقلت هذه الحكاية المتقدمة أو قريبًا منها، وإن كانت الرواية بينهما مختلفة، عن شيخنا الحكيم مهذب الدين [حدثني] أسعد بن إلياس بن المطران قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو الفرج بن الحديد قال: كان بدمشق فاصد يقال له أبو الخير، ولم يكن من المهرة، وكان من أمره أن فصد شابًا، فوقعت الفصدة في الشريان فتحير وتبلد، وطلب قطع الدم، فلم يقدر على ذلك، فاجتمع الناس عليه. ففي أثناء ذلك اطلع صبي عليه وقال: يا عماه افصده في اليد الأخرى، فقال: شد الفصد الأول. فشده ووضع عليه لازوقًا كان عنده وشده فوقف جري الدم. ثم مسك الفصدة الأخرى فوقف الدم وانقطع الجميع. ووجد الصبي بالسوق معه دابة عليها حمل شيح فتشبث به وقال: من أين لك ما أعلمتني به؟ قال: إن أبي في وقت سقي الكرم، إذا انفتح شق من النهر، وخرج الماء منه بحدة لا يقدر على إمساكه دون أن يفتح فتحًا آخر، ينقص منه الماء الأول الواصل إلى ذلك الشق، ثم يسده بعد ذلك. قال: فمنعه الجرائحي من بيع الشيح واقتطاعه، وعلمه الطب، وكان منه اليبرودي وهو من مشاهير الأطباء الفضلاء.
وكان لليبرودي مراسلات إلى ابن رضوان بمصر وإلى غيره من الأطباء المصريين، وله إليهم مسائل عدة طبية ومباحث دقيقة. وكتب بخطه شيئًا كثيرًا من الطب، ولا سيما من كتب جالينوس وشروحها وجوامعها.