سواه من يجمع عليه ويطمع النظر دونه إليه، فجهد ملك الأمراء بالشام تنكز في توليته، وطلبه إليه، وأخذ في ملاطفته وتفديته. وهو يصر على الامتناع، وتجلى عليه، ولا يكشف عنها القناع، هذا بعد أن يبعث إليه أكابر العلماء، ودخل عليه منهم بأماثل العظماء، وأتاه الخطيب القزويني وابن الزملكاني برسائله، وجدا في وسائله، وهو لا يلفت إليهم وجهًا، ولا يرى إلا عنهم غافلًا يتلهى، وقعد لها حتى تخطته، ونزل عن صهوتها، وقد أمطته.
تفقه بأبيه وابن الخويي، وأخذ النحو عن عمه شرف الدين، ودأب الليل والنهار في القراءة، والمطالعة، والاشتغال والأشغال والتعليق والمراجعة، ومذاكرة من حضر، وطلب التحقيق لكل مسألة والتحرير في حل كل مشكلة.
قلت: حكى لي من لا أشك فيه أن ابن الزملكاني كان يعلق فتاوى الشيخ إذا أتته، وربما تشكل عليه المسألة فيضع لها سؤالًا، ويدس به من يأتيه، فيأخذ خطه عليه.
وكان ابن تيمية إذا ذكر الفقهاء قال: الفقيه ابن الفركاح.
وكان ابن المجد عبد الله يقول: ينبغي لمن حضر مع الشيخ برهان الدين أن يتأدب.
وسمعته مرة يقول: ما يستحق أحد أن يتكلم مع الشيخ برهان الدين إذا تكلم في الفقه، ولكن يسمع.
وكان ﵀ كريم النفس، سخي الكف، لا يرد سائلًا، ولا يُخيب أملًا، على ضيق رزقه، وقلة ذات يده، مع الصبر والاحتمال، والقناعة، والتصدي لإشغال الطلبة في المسجد الجامع، وفي المدرسة الباذرائية، وفي بيته. لا يرى له راحةً إلا في التعب، فلا يزال معمور الأوقات بالذكر، والاشتغال والأشغال، والمطالعة، والتصنيف، والتأليف، والفتوى هذا إلى خلق حسن، وانبساط، ومجون لا يُحظر مثله، مع ملازمة عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، ومجاملة الناس في السلام على القادمين، والتوديع للمسافرين، وتهنئة من تجددت له مسرة، والتغمم لمن نابته نائبة، إلى غير هذا من مكارم الأخلاق والمحاسن على الإطلاق، وأكثر من برع من الفقهاء بدمشق، وبلاد الشام. وقضاة البر تلاميذه، وعنه أخذوا.
وقال لي العلامة فخر الدين المصري: لولا الشيخ برهان الدين لما تفقه أحد، يعني في مذهب الشافعي في زمانه.
قلت: والذي قاله هو الحق؛ لأنه لم يكن في مشايخ زمانه لا من أهل مذهبه ولا