أرق سمر، ولا تفنى غلائله، وقد زرت أزرارها على القمر، فقد كان قمر الشافعية الذي لا يعروه نقصان، وسمر الرقاق بسمر الخرصان، وله في التصوف مقامات لا يدعي الحريري شبهها حيث ذهب ولا يموه في مماثلتها حريره الذهب.
اشتغل في مبدأ أمره بطوس، ثم قدم نيسابور، واختلف إلى دروس إمام الحرمين، وجد في الاشتغال حتى تخرج في مدة قريبة، وصار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، وصنف في ذلك الوقت، وكان أستاذه يتبجح به، ولم يزل ملازمًا إلى أن توفي إمام الحرمين، فخرج من نيسابور، ولقي نظام الملك، فأكرمه وعظمه، وبالغ في الثناء عليه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل، فجرى بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس، وظهر عليهم، واشتهر اسمه، وسارت بذكره الركبان.
ثم فوض إليه الوزير تدريس النظامية ببغداد، فدرس بها في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأعجب به أهل العراق، وارتفعت عندهم منزلته، ثم ترك جميع ما كان عليه سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسلك طريق الزهد والانقطاع، وقصد الحج، فلما رجع، توجه إلى الشام، فأقام بدمشق مدة يذكر الدرس في الزاوية الغربية من الجامع الأموي، ثم انتقل إلى البيت المقدس، واجتهد في العبادة، وزيارة المشاهد، والمواضع المعظمة، ثم قصد مصر، وأقام بالإسكندرية مدة، ويقال: إنه قصد منها الركوب في البحر إلى بلاد المغرب على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش، فبينما هو كذلك، بلغه نعي يوسف المذكور، فصرف عزمه عن تلك الناحية.
ثم عاد إلى وطنه بطوس، واشتغل بنفسه، وصنف الكتب المفيدة في عدة فنون، ثم ألزم بالعود إلى نيسابور، والتدريس بها بالمدرسة النظامية، فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات ثم نزل في وطنه، واتخذ خانقاه للصوفية، ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره، ووزع أوقاته على وظائف الخير من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتدريس إلى أن انتقل إلى ربه يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة.
وقد أورد له عماد الدين الأصبهاني في الخريدة:[من الكامل]