فأبو حنيفة يقول (١): العقار مما لا يتصور غصبه؛ وذلك أنه قال: الغصب عدوان محض، وحقيقته فعل حسي، والفعل الحسي لا يعلم وجوده إلا بأثره الظاهر في المحل، كالقتل مثلا، فإنه يسمى فاعله قاتلا؛ يقال: لأنه ظهر أثر فعله في المحل، وهو الإماتة؛ لأنا رأيناه حيا قبل فعله، ثم رأيناه بعد فعله ميتا، فقد ظهر لنا وجود فعله حسا، وهكذا سائر الأفعال الحسية، قال: وإذا تقرر هذا، قلنا: يجب أن يكون الغصب مما يظهر أثره في المحل؛ ليعلم بذلك وجود فعله حسا، وليس ذلك إلا النقل والتحويل، فإذا نقله وحوله قلنا: هذا الانتقال من محل إلى محل يتغير به المحل؛ فإنه صار منقولا بعد أن لم يكن منقولا، فدلنا ذلك على وجود فعل من الغاصب حقيقة، فأضفنا هذا الأثر إليه، وأوجبنا الضمان عليه [و](٢) إذا لم يوجد نقل وتحويل أي أثر لفعله، حتى يعلم أنه فاعل في المحل، فإن قلتم: دخل الدار، قلنا: هذا فعل قام به، وليس في المحل، ولا تغير به المحل، وإن قلتم:
تصرف وانتفع، فهذا - أيضا - باطل؛ لأنه لم يتصرف في العين بما يوجب ضمانها، والمنافع هل تضمن أم لا؟، مسألة أخرى لا تعلق لها بهذه المسألة، وكلامنا في غصب العقار، لا في غصب المنافع، وإن قلتم: خرب الدار، وأخذ الأخشاب، قلنا: ما نقله يلزمه ضمانه، وما لم ينقله لا يلزمه ضمانه، وإن قلتم: تصرف في نفس الأرض، وحفرها ونقل ترابها، قلنا: كل ما نقله يضمنه، إنما كلامنا في شيء لم ينقله، ولا يتصور نقله،
(١) لم يبدأ المؤلف بذكر مأخذ قول الشافعية كعادته، وسيأتي في سياق جوابه على مأخذ قول أبي حنيفة ﵀. (٢) زيادة يقتضيها السياق.