للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جماعة العلماء والقوّاد، فخلعوا المقتدر، وبايعوا ابن المعتز، إلا بعضهم، ولقب بالمنتصف (١) بالله، فلما أُذنت المغرب، ضربت الدبادب (٢) له وضربت من قصر المقتدر، واشتغل الوزير بكتب الكتب إلى النواحي، وكاد الأمر أن يتم لو أراده الله، فنقض العزائم وأبطل التدبير، لأن سوسن (٣) الحاجب كان قد عاقد ابن المعتز على أن يكون حاجبه، ويمكنه من المقتدر، فبلغه في تلك الليلة أن ابن المعتز استخلص يمُنًا الكنعوني (٤) للحجابة، فانتقض سوسن عليه، وأحكم الأمر للمقتدر، فلما اصبح ابن المعتز خرج قاصدًا قصر المقتدر، فلما بلغ الحسني خرج عليه العبيد والرجالة، فمنعوهم، وأعانتهم العامة، فرجع ابن المعتز إلى داره وعلم من أين أُصيب، ثم إن المقتدر جهز جيشًا غريبًا في الخيل والرجال، فأحاطوا بدار ابن المعتز ففر مَنْ كان فيها، وبقي ابن المعتز وحده، فتسلل هو ووزيره، وثبت الحسين بن حمدان (٥)، فقاتلهم إلى الظهر، فأصابه سهم، ففرّ إلى داره، وأخذ منها ما يريد. ثم خرج إلى سر من رأى، وأما ابن المعتز فإنه هرب وأتى دار ابن الجصاص الجوهري، وكان ممن بايعه، فعرفه خادم (٦)، فنم به، فأخذ وألقي في صهريج ثلج، فمات، وهو ذو الأدب الغض والتشبيه المصيب، ومن بدائعه قوله (٧): [من الطويل]

وجردت من أغماد كل مرهف … إذا ما انتضته الكف كاد يسيلُ

تر فوق متنيه الفرند كأنما … تنفس فيه القين وهو صقيل


= القضاة أيام الرشيد، وتولى هو قضاء الجانب الشرقي من بغداد وعدة نواح من السواد والشام والحرمين واليمن ثم قلد قضاء القضاء سنة ٣١٧ هـ. وتوفي سنة ٣٢٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٣/ ٤٠١ والوافي بالوفيات ٥/ ٢٤٥.
(١) كذلك في صلة تاريخ الطبري ص ٣١ وفي كامل ابن الأثير ٦/ ١٢١ وتجارب الأمم ١/ ٥: المرتضى بالله وفي تاريخ الطبري ١٠/ ١٤٠: الراضي بالله. وفي النجوم الزاهرة ٣/ ١٦٥: المنصف بالله.
(٢) الدبادب: الطبول، واحدها دبداب.
(٣) سوسن الحاجب، في كامل ابن الأثير ٦/ ١٢٢ أنه كان خادمًا لابن الجصاص، وأنه اخبر صافيًا الحرمي بأن ابن المعتز عنده مولاه ومعه جماعة فكبست دار ابن الجصاص وأخذ ابن المعتز. وسماه عريب بن سعد القرطبي في صلة تاريخ الطبري ص ٣٢: برسن الحاجب قال إنه ممن ثبت مع المقتدر ودافع عنه.
(٤) يُمن حاجب ابن المعتز ممن قبض عليه انصار المقتدر وقتل. انظر: تجارب الأمم ١/ ٧.
(٥) الحسين بن حمدان التغلبي، من الأمراء الشجعان أيام العباسيين، وهو ابن عم سيف الدولة الحمداني، نصر ابن المعتز وأعان على خلع المقتدر ثم هرب إلى الموصل، ثم عفا عنه المقتدر وولاه ديار ربيعة، ثم أعلن العصيان، فقاتله المقتدر وأسره، ثم قتله سنة ٣٠٦ هـ. انظر كامل ابن الأثير ٦/ ١٥٠.
(٦) هو سوسن كما في كامل ابن الأثير ٦/ ١٢٢.
(٧) دوانه ٢/ ١٧٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>