للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان المعتضد ملكًا مهيبًا، إذا غتاظ توقد لهيبًا، وبويع بالخلافة وقد تمزّقت كلّ ممزق، وتوزّع ملكها وتفرّق، وقد صار كل طرف بيد ثائر، وكل إقليم يخفق عليه بند كل ملك جائر. واضمحلت الحرمة كأنها لم تكن، وصعبت الأمة كأنها لم تهن، فقام حتى جمع شلوها المبدّد، ومَنَعَ أديمها المقدَّد، وكان في الغنية مثل موافقه في الكنية أبي العباس السفاح في تعريض وجهه للكفاح وكل منهما أقام دونه أبي العباس، وأقاد لها أنف كل ذي باس، وكلاهما كانت خلافته للخلافة العباسية بانية، ذاك أولة وهذا ثانية.

وكانت له على الأتراك وأرباب دولته سطوة تخاف لها أبصارهم أن تُختطف وأعمارهم أن تقتطف، حذرًا من ضيغمه المفترش المترس. وأرْقَمِهِ المنتهش المنتهس، وعُقابه الخطوف الكاسره وعقابه المُمَثّل بعذاب القاهرة، فإنه كان أليم العذاب، عقيم العقاب، وكان يدلي عليهم الحرس، ويذكر لهم من أمورهم وبيوتهم ما يلجمهم بالخَرَس، وما عُرِف بعد المعتصم أخف منه إلى عدوّ ركابا، ولا أمَدَّ على بلد انسكابا، ولا يُحَطّ له سرج، ولا يُحل له عن موكب طوق رهج.

وقد حكى ابن ظافر في سياسة الملوك: أنه كان لا يبرز إلا مخفًا، ولا يَسْتَصْحِبُ نقلًا ولا خُفا، وقرّر النوروز (١)، وأقرّ عليه رزق الجند المفروز، وتبعه عليه من بعده من الخلفاء ووفوه حسابه وما قدروا على الوفاء، وكان غاية في الحزم والعزم.

وحكى شارح العبدونية قال: لم تزل الأتراك مُذْ مات الواثق، يتحكمون عليهم في خلافتهم، يعني تحكم الرجال على صبيانهم حتى كان أيام المعتضد، فغلبهم الغلبة التي يجب أن تكون لمثله على مثلهم، وأذلهم وردّهم إلى مراتبهم من العبودية، وكان المعتضد مهيبًا، لا يقدم أحَدٌ على أمر من أموره إلا مُغرّرًا، وكان يسمى السفاح الثاني، لأنه جدّد ملك بني العباس ووطَّدَهُ بعد أن كانت (٢) قد اخلقته الاتراك وفي


(١) النيروز أو النوروز: اليوم الجديد، وهو أول يوم من السنة الشمسية عند العجم، ويوافق اليوم الحادي والعشرين من مارس من السنة الميلادية، وقد أمر المعتضد سنة ٢٨٢ هـ بأنشاء الكتب إلى جميع العمال في النواحي والأمصار بترك افتتاح الخراج في النيروز الذي نيروز العجم، وتأخير ذلك إلى اليوم الحادي عشر من حزيران، ويسمى ذلك النيروز المعتضدي. تاريخ الطبري ١٠/ ٣٩.
(٢) شرح قصيدة ابن عبدون المسلمى:
كمامة الزهر وفريدة الدهر
لعبد الملك بن عبد الله بن بدرون طبعت في مصر سنة ١٣٤٠ هـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>