ويخلى به مثله فيأمر بقتله، ولا يكشفه ولا يجد من يثنيه عنه ولا يصرفه.
قال المعتضد ما معناه: وكان ابن بلبل يجيئني في كل يوم مراعيًا خبري وساعيًا في قص أثري، ويظهر أنه يتردّد إليَّ خدمةً يؤديها، وإنما يردد نقمة يؤديها، فلما دخل عليَّ ذلك اليوم قال: أيها (الأمير)(١) أعطني المصحف لأتفاءل لك إن كنت تبلغ مؤملك، فلم أجبه بشيء ولم أَجِبْهُ بموافقة ولا لَيْ، فأخذ المصحف وفتحه، فكان أول سطر تَصَفَّحَهُ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢). فاسود وجهه وأربد حتى كان كالليل أو هو شبهه، ثم أطبق المصحف وفتحه ثانية فخرج منه باديًا: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (٣). فازداد قلقًا واضطرابًا واضطر أن يفتح بابًا، ثم فتح المصحف ثالثًا فوجد عاجلًا لا تأنيا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (٤)، فوضع المصحف، والخوف قد جلله وألحف، ثم قال: ايها الأمير أنت والله الخليفة بلا شك، فما حقُّ بشارتي وحال قبولك لإشارتي، فقلت: الله الله في دمي، وما عليك ألا تكون السبب في عدمي، واسأل الله أن يُبقي أمير المؤمنين والأمير الناصر الموفق، وما أنا وهذا، ولم أزل به أرفق وأقول: مثلك في عقلك ولا يطبق القول بمثل هذا الاتفاق، وأنا أحوج منك إلى غير هذا من الاتفاق فامسك عني وقد كان يأخذني مني، ثم ما زال يحادثني، ويخرجني من حديث ويدخلني في آخر إلى أن جرى حديث ما بيني وبين أبي، وأنه ربما كان يؤاخذه بسببي ثم أقبل يحلف بالأيمان الغليظة أنه ما سعى عليَّ بمكروه وأنه ممن لم يخرجوا صدره علي، ولم يُغروه، فصدقته خوفًا أن تزيد وحشته مني، فيُسرع إلى التدبير في تلفي، وأرَيْتَه من الود ما لم يكن له في ثم صار كلما جاء أَخَذَ معي في الاعتذار والتنصل كأنما أبلغه مني الانذار، وإنما أظهر له التصديق وأبسط معه مباسطة الصديق، حتى سَكَنَ قلق راحته، وما شك أني اعتقد براءة ساحته، وما كان بأسرع مِنْ أنْ جاء الموفق من الجبل وقد اشتدت به علته، ومات، وأخرجني الغلمان من الحبس وأروني مكانه، وأورثوني سلطانه، وقاد الله الخلافة إلي ومكنني من ابن بلبل، فأخذت ثأري بيدي.