للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القضية. إلا أنه أبلى الناس بالمحنة في القول بخلق القرآن (١)، ولم يطهر منها أيامه ولها قروء ولا قرآن، وذلك عن نَظَرِ نَظَره، ورأي نبه على نفسه خطره.

ومن أخباره أنه لما خرج من خراسان شيعه حميد الطوسي (٢)، فسار معه فراسخ، فالتفت إليه المأمون وقال: ارجع أبا غانم (٣): [من الكامل]

عجبًا لقلب مُتَيَّم أحبابه … ساروا خلف كيف لا يتضرَّع

ارجع فحسبك ما تبعت ركابنا … إن المتيم لا محالة يرجعُ

وشكا (٤) اليزيدي إلى المأمون دينًا لحقه، فقال له: ما عندنا في هذه الأيام ما أن أعطينا له بلغت ما تريد، فقال: يا أمير المؤمنين: إن غرمائي قد أرهقوني، قال: انظر لنفسك أمرًا تنال به نفعًا، قال: يا أمير المؤمنين إن لك ندماء فيهم مَنْ إن حركته نلت منه نفعًا، قال: أفعل، قال: إذا حضروا إليك مر فلانًا الخادم يوصل إليك رقعتي، فإذا قرأتها فأرسل إلي: دخولك في هذا الوقت متعذّر، ولكن اختر لنفسك من أحببت، قال: أفعل، فلما علم اليزيدي بجلوس المأمون مع ندمائه بعث إليه مع خادم رقعة فيها: [من السريع]

يا خير إخواني وأصحابي … هذا الطفيلي على الباب (٥)

فصيروني واحد منكم … أو فأخرجوا لي بعض أترابي

فقرأها المأمون عليهم قالوا: ما ينبغي يدخل علينا على هذه الحال، فارسل إليه المأمون: دخولك متعذّر فاختر لنفسك مَنْ أَحْبَبْتَ، فقال: ما أريد إلا عبد الله بن


(١) ابتدأ المحنة بخلق القرآن سنة ٢١٨ هـ حيث كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة المحدثين، وأمر بإشخاص جماعة منهم إلى الرقة، انظر تاريخ الطبري ٨/ ٦٣١ وتاريخ ابن الوردي ١/ ٣٠٠ وتاريخ اليعقوبي ٣/ ٢٠٩٧ وكامل ابن الأثير ٥/ ٢٢٢.
(٢) حميد بن عبد الحميد الطوسي: من كبار قادة المأمون، توفي سنة ٢٢٠ هـ. انظر: النجوم الزاهرة ٢/ ١٩٠ والوافي ١٣/ ١٩٧.
(٣) في الأصل: إنا غانم، والصواب ما ثبت: وكان حميد يكنى بأبي غانم.
(٤) الخبر في تاريخ الطبري ٨/ ٦٦١، واليزيدي هو يحيى بن المبارك العدوي، صحب يزيد بن منصور الحميري خال المهدي يؤدب ولده فنسب إليه، وكان عالمًا باللغة والأدب اتصل بالرشيد فعهد إليه بتأديب المأمون وعاش إلى أيام خلافته، له مصنفات توفي سنة ٢٠٢ هـ. انظر: معجم الدباء ٧/ ٢٨٩ ووفيات الأعيان ٢/ ٢٣٠.
(٥) في الطبري: لدى الباب، وبعده:
خبر أن القوم في لذة … يصبوا اليها كل أواب

<<  <  ج: ص:  >  >>