وكان يقول: والله إني لأعرف في عبد الله - يعني المأمون - حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزّ نفس الهادي، ولو شئت أنسبه إلى الرابع لفعلتُ، يعني نفسه، وفي ذلك يقول: [من الطويل]
لقد بان وجه الرأي لي غير أنني … غُلِبْتُ على الأمر الذي كان أحزما
وكيف يُردّ الذرّ في الضرع بعدما … توزّع حتى صار نهبًا مُقَسَّما
أخاف التواء الأمر بعد استوائهِ … وأن ينقض الحبل الذي كان أُبْرِما
واصطبح الرشيد قرب رمضان، وقد قرب أن يرسى به زورق هلاله وان، فكتب إلى جعفر بن يحيى: [من الخفيف]
سل عن الصوم يا بن يحيى تجده … راحلًا نحونا من النهروان
فاتنا نصطبح ونله جميعًا … لثلاث بقين من شعبانِ
فأجابه في رقعة كتبها، ثم ركب إليه واستصحبها، فلما قرأها الرشيد استطار قلبه واستبشر بها ساعفه (١) (ساعة) قربه، وكان فيها: [من الخفيف]
إن يومًا كتبت فيه إلى عبدك يوم يسود كل زمان
فاغتبق واصطبح فقد صانني الله إذا صنتني من الحدثان
وكان الرشيد بعد هذا يقول لما قتله تلك القتلة التي شوّه بها الجود وشبه بها دمه المطلول بسلاف العنقود، والله ما صانه الله في من الحدثان، بل كمنت له كمون الأفعوان في أصول الريحان، فلما تعرض للشم قابله بالسم، وسيأتي ذكر جعفر في موضعه.
وكان الرشيد قد حبس أبا العتاهية، وجعل عليه عينًا يأتيه بما يقول، فأخبره يومًا أنه كتب على الحائط (٢): [من الوافر]
أما والله أن الظلم لؤم … وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي … وعند الله تجتمع الخصوم
فاستحضره الرشيد واستحلّه وأعطاه ألف دينار، ثم أمر بمجلس فزخرف، وبالطعام فأحضر وأحضر أبا العتاهية، فقال له: صف ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا فقال: [من مجزوء الكامل]
(١) كذا في الأصل، ولا معنى لها.
(٢) البيتان لأبي العتاهية ديوانه ص ٣٥٣ (ط بيروت ١٩٩٧).