فضع السيف وارفع السوط (١) حتى … لا ترى فوق ظهرها أمويا
فتنفّس السفاح الصعداء، ثم التفت إلى عمر بن عبد الملك وقال له: كيف رأيت هذا الشاعر، فانطقه الحين، فقال: شاعرنا أشعر من حيث قال فينا: [من البسيط]
شمس العداوة حتى يُسْتقاد لَهُمْ … وأرجح الناس أحلامًا إذا قدروا
فغضب السفاح وكل مَنْ حَضَرَه من أهل بيته، وقالوا: تحدثهم أنفسهم بالأمر فألقى السفاح قلنسوة الأموي، وأمر العبيد فوضعوا فيهم السيوف وقتلوهم عن آخرهم، ثم التفت إلى عمر وقال له: ما أظن الأمير يحبّ البقاء بعدهم، فقال: لا فأمر بإقامته، فأقيم وضربت عنقه، وجروا بأرجلهم حتى القوافي رحبة القصر وعليهم سراويلات الوشي.
ثم إن سليمان بن هشام قدم على السفاح، وكان قد فر منه إلى السند فأكرمه وأعْظَمَهُ وقربه منه، وصيَّره في جلسائه لظرفه وعقله وآدابه وفصاحته ودماثة خلقة، فحسده أبو مسلم (٢)، فأمر سديفًا فأنشده: [من الخفيف]
أظمأتنا أمية حتى … ماغبطنا مسوّغًا للحياة
كيف بالعفو عنهم وقديمًا … قتلونا بالضرب والمثلات
أين زيد وأين يحيى بن زيد … يالها من مصيبة وترات
والإمام الذي أصيب بحران … إمام التقى ورأس الهداة
لا تزال الصدور آلمةً … ما لم تَنَل من أمية الثارات
فتنفّس السفاح الصعداء، ثم أمر سليمان وابنيه فقتلوا، ثم إن شاعرًا أمن بني أمية صنع هذه الأبيات ولطف في إيصالها إليه وهي (٣): [من الرمل]
ولقد أبْصَرْتُ لو ينقضي عبرًا … والدهر يأتي بالعَجَبْ
أَيْنَ رَوْقا (٤) عبد شمس أين هم … أين أهل الباع منهم والحَسب
كل سام الجدّ محمود الجدا … واضح الغرة بدر منتخب
(١) الأصل: الصوت.
(٢) في أنساب الأشراف ٣/ ١٨٣ وكان أبو مسلم يكتب إلى أبي العباس في أمر سليمان: إذا كان عدوّك ووليك عندك سواء فمتى يرجوك المطيع لك المائل إليك، ومتى يخافك عدوك المتجانف عنك!
(٣) الأبيات لحفص بن أبي جمعة مولى عباد بن زياد، كان مداحًا لبني أمية في أيام بني أمية وأيام المنصور، فلم ينكر عليه المنصور ذلك، وصيره مؤدبًا للمهدي في مجالسه، مات قبل أن يلي المهدي الخلافة والأبيات مما قاله في مدح بني أمية. (انظر تاريخ الطبري ٨/ ١٠١).
(٤) في الأصل: زرقا.