أبايعك، فمد يده فبايعه إخوته وأهل بيته ورجاله، ثم ألبسه السواد وأركبه فرسًا أشْهَب، وأركب أهله الخيل متلثمين بالسلاح، ثم أتى به المنبر يوم الجمعة، فمنع الخطيب الصعود، وصعد أبو العباس السفاح ومعه عمه داود دونه بدرجة، فلما أراد السفاح الكلام ارتج عليه (١)، فخطب عمه داود خطبة بليغة، ثم أخذ الناس بالمبايعة وأهله حوله بالسيوف مسلولة بأيديهم، ثم أقام ثلاثة ايام، وخرج في جيش عظيم فنزل الهاشمية ثم فرق جيشه، فأرسل أخاه أبا جعفر مع الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، ووجه موسى بن عيسى إلى المدائن مع حميد بن قحطبة، واستخلف عمه داود على الكوفة.
وأما ما كان من مروان، إنه لما أتاه الخبر خرج من حران (٢) فنزل منزلًا سأل: ما اسمه؟ فقالوا: بلوى، فتطير منه فقال: بل بشرى (٣) ثم سار حتى أتى الموصل، فأتى السفاح الخبر فجمع أهله، وقال: مَنْ يلقى مروان دوني، فقال له عمه عبد الله بن علي: أنا له كفؤ، فقال له: صدقت وبذلك أخبر الإمام إبراهيم، فعقد له لواء أسود وألبسه السواد، وأنْهَدَهُ إليه، ثم انشد السفاح مرتجلًا (٤):
يا آل مروان أن الله مهلككم … ومبدلًا منكم خوفًا وتشريدا
لا عمر الله من أنسابكم أحدًا … وبتكم في بلاد الله تطريدا
ودفعها إلى رجل حصيف، وقال له: تحيل في إنشادهما في عسكر مروان حيث لا يعلمون كأنك هاتف، وسار عبد الله بن علي، وجرت بينهم حروب (٥) ثم إن ذاك الرجل الذي حمله السفاح البيتين تحيل في سرب (٦) احتفره حتى نفذه إلى قرار شجرة في معكسر مروان، واتخذ منها حروفًا خفية تخرج الصوت، ثم قام بهما ليلا ينشدهما، وظنوه هاتفًا هتف بهم، فتفللت عروتهم، وكان ذلك في تقدير الله سبب الهزيمة.
(١) في تاريخ الطبري ٧/ ٤٢٥ أن أبا العباس تكلم، فقال: وذكر خطبته ثم قال: وكان موعوكًا فاشتد به الوعك، فجلس على المنبر، وصعد داود بن علي فقام دونه على معراتي المنبر، فقال: وذكر خطبته، وانظر كذلك انساب الاشراف ٣/ ١٥٩ وكامل ابن الأثير ٤/ ٣٢٤. (٢) حران مدينة مشهورة من جزيرة أقور وهي قصبة ديار مضر، بينها وبين الرها يوم وبين الرقة يومان، وهي على طريق الوصل والشام والروم (ياقوت - حران). (٣) الخبر في تاريخ الطبري ٧/ ٤٣٢ وفيه: قال: بل عُلوى وبشرى. (٤) البيتان في كامل ابن الأثير ٤/ ٣٤٦ قال ابن النقاح بيتين من الشعر ووجه برجل إلى عسكر مروان ليقدم على الخيل ليلًا فصبح فيها وشمس في الناس فلا يوجد. (٥) هزم عبد الله بن علي مروان بموقعة الزاب قرب الموصل انظر التفاصيل في تاريخ الطبري ٧/ ٤٣٢. (٦) السرب: المسلك في خفية، وحفير تحت الأرض لا منفذ له.