للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قلت: وقد تقدم مثل هذا عمن تقدم، وله كل معالجة طائلة، وحدس صحيح، وتجربة محققة.

ولما مرض أسندمر الكرجي، وهو في نيابة طرابلس، حارت فيه الأطباء، فاستدعاه واستطبه فبرئ بقدرة الله على يده، فغمره بالإحسان وحصل له منه ومن حاشيته نحو أربعين ألف درهم ما هو دراهم وقماش وغير ذلك، ثم عاوده المرض فاستدعاه فطيبه فبرئ، فحصل له منه نحو عشرين ألف درهم.

وحكى لي أنه كان أقل ما يدخر في كل يوم دينار من الذهب بعد كلفه وسائر نفقته وأنه على هذا منذ بلغ عشرين سنة من العمر وإلى آخر وقت.

وكان صحيح الإسلام، حسن المعتقد، جميل اليقين، وحج مرات إلى البيت الحرام، وزار النبي وكان إذا أتى المدينة الشريفة لزم المسجد وأكثر الصلاة، ولم يزل على رتبته ومكانته حتى سُعي عليه عند تنكز نائب الشام، وغير عليه خاطره. هذا إلى ما كرهه منه من قوة النفس، وكثرة الجرأة والإقدام، فعزله عن الرئاسة وحطه عن رتبته ومكانته، وأغرى بذمه والتنقص به، وقام عبد المولى اليهودي لعناده، ورماه سليمان بالبرص وكشف فلم يصح قوله فيه، وولي عوضه جمال الدين محمد بن الشهاب الكحال، فجرت بينهم عواصف وتمت بينهم مع تعمد الظلم مناصف. ونامت على بغضاء تنكز له الأيام والليالي، ثم عطفته عليه عاطفة الرضا، فأقبل عليه ولا كل الإقبال، واستصحبه في سفرة كنت فيها إلى جهة غزة. ولما أتينا قافون أتينا بأنواع من الطعام فيها من السمك واللبن، فقلنا له من أيهما نأكل؟ فقال: أنا طبيبكم وكلوا مما آكل، ثم أكل من السمك وأكلنا معه، حتى كاد يشبع، ثم ثرد خبزًا في اللبن، وأكل منه بالملاعق، وأكلنا معه، ثم قال: علينا بالمصلح، فقلنا: ما هو؟ قال:

العسل، فأتينا به، فلعق منه لعقًا كثيرًا ولعقنا معه، ثم مكث ساعات، ثم أمر فعملنا شرابًا من السكر والليمون فشرب وشربنا معه، ثم قال: عملنا اليوم بطب الهند، قالوا:

إما أن يكون أحدهما أبرد من الآخر، أو هما سواء في الدرجة، فإن كان أحدهما أبرد من الأخر فالآخر مصلح له فإن كانا سواء في الدرجة كنا كمن أكل من شيء واحد واستكثر منه، ثم طلب الأمين سليمان إلى باب السلطان، ولحق به لتطبيب القاضي علاء الدين ابن الأثير كاتب السر من فالج أصابه وطيبه، فلم ينجع وسعى لأمر فما أنجح، ولم يقع من السلطان بموقع، ولا لقي أطباء الحضرة بما يجب، فتقهقر وذم وأعيد إلى دمشق مبرقع الوجه بالخجل، خائب الظنة والأمل.

ثم عقد له مجلس بحضرة تنكز لدواء وصفه لابنه، وكان قد جمد اللبن في

<<  <  ج: ص:  >  >>