للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أطباء الشام

الرئاسة، وسارت به النفاسة.

قال بعض حُمَّدِه: [من الكامل]

يا معشر الحكماء لا تتسخَطُوا … لِعظيم ما قد تمَّ في ذا العالم

هذا سليمان بن داود الذي … نال الرياسة دونكم بالخاتم

قلت: وإنما نتج القمر وعارض أدنى البحر، وهيهات أن تغطى السماء بالسحاء أو يضار في رؤيته ذو نظر، فلقد كان فردًا في الزمان، منقطع القرين، معدوم النظير، شارك في الحكمة، وبرز في علم الطب، وصار علمًا فيه، وتقدم باستحقاق، وألقى عليه القبول ومال إليه الحقير والجليل. واقتصرت على طبه الأكابر، ومالت إليه العلماء، وأثنى عليه شيخنا ابن الزملكاني، وحصلت بينه وبين ابن الوكيل منافرة، ثم اتفق لابن الوكيل أن ركب للأفرم نائب الشام سفوفًا يعينه على الهضم ويسهله فلما أخذ منه الأفرم، أفرط به الإسهال، ووثب مماليك الأفرم بابن الوكيل ليقتلوه، فأتى الأمين سليمان وكفهم عنه، ثم دخل على الأفرم واعتبر أعراضه، ثم أعطاه امراق الفراريج، وشرع في إعطاء المسهلات له، واستفرغه حتى كمل إخراج تلك المادة التي اندفعت ثم أعطاه المقبضات والممسكات، فبرئ وأفاق.

قلت: وإنما أعطاه أولًا المسهلات مع وجود الإسهال؛ لأنه رأى السفوف قد هيج مادة ردية، ولم يتم اندفاعها، وأن انحباس بقيتها مفسد للبدن، فاستكمل استفراغ تلك المادة الردية، ثم أمسك ما سواها، وهذا من محاسن العلاج.

وله غير هذا من الغرائب والعجائب في صناعة الطب منها:

أن بعض بني صصرى كان يشكو نزلة متقدمة به لا تزال تعاوده، ويلتاث جسمه ببقاياها، فشكا إليه ما يجده منها، فأمره بالحمية، وتعهد الحمام حتى لطف أخلاطه، ثم أخرجه من الحمام، وكشف رأسه عقيب خروجه منه حتى نزلت به نزلة أخرى، ثم استمر به على الحمية، وشرع في معالجته وأعطاه المسهلات حتى استفرغ مواد تلك النزلة، واندفعت معها مواد النزلة القديمة، وبرئ الرجل وأفاق.

ومنها ما حكاه لي الشيخ أحمد بن براق، قال: كنت عند الأمين سليمان فأتى رجل قد حصل له ورم في وجهه، وقد تلون بالحمرة والزرقة، فلما رأى عمامته [نزعها] عن رأسه، وكانت عمامة كبيرة، وبقي الرجل يخاف من البرد، وسليمان يقول له: ارمها بلا فشار، ثم أمر بسطل من الماء البارد، فصبه على رأسه، وكان الفصل شتاء، ثم نقله إلى المارستان، وشرع في معالجته، وسئل عن هذا، فقال: كانت قد تحركت مادة في دماغه أردت أن أجمدها قبل أن تنصب جملة واحدة.

<<  <  ج: ص:  >  >>