لأحد الخصمين: قال بعضهم: إن كان ممن لا يتخلف عن عيادة المرضى فعادهُ لم أكره له، وإن لم يكن ذلك من شأنه، فلا أرى له أن يخصه بذلك حتى تنقضي الخصومة. وهذا مُحتمل، والأشبه بقول الشافعي: أنه لا يعوده ما لم تنقض خصومته، كما قال: إنه لا يقبل منه هدية، وإن كان يُهدي إليه قبل ذلك، حتى تنقضي خصومته (١). هذا كلام القفال.
ثم قال أيضا: وأشدُّ ما ينبغي للحاكم الاجتهاد في إثباته إلى أحد الخصمين أمر الهدية؛ فلا ينبغي له أن يقبل من أحدهما هديةً، وإن كان يُهدى له قبل ذلك؛ لما في الهدية من قوة الإمالة، وقد قيل: إنما سمي مالاً؛ لأنه يميل.
وقد روي أن رجلا أهدى لعمر رجل جزورٍ، ثم جاء يخاصم إليه، فجعل يقول: يا أمير المؤمنين: افصل بيننا كما يفصل رجل الجزور، وعمر لا يفهم، ثم فهم، فذكر ذلك للناس، وقال: ما زال يُكَرّرها حتى كدت أقضي له (٢).
وقال أبو العباس بن القاص في كتاب «أدب القاضي»: قال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة: لا بأس أن يأخذ القاضي أجرة (٣).
(١) ينظر: الأم ٧/ ٥٣١، مختصر المزني ٨/ ٤١٠. (٢) أخرجه البيهقي في السنن باب لا يقبل منه هدية، (٢٠٢٦٣)، ١٠/ ١٣٨ بلفظ: «أن رجلا كان يُهدي إلى عمر بن الخطاب ﵁ كل سنة فَخِذَ جزور، قال: فجاء يخاصم إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين اقض بيننا قضاء فصلا كما تفصل الفخذ من الجزور، قال: فكتب عمر بن الخطاب إلى عماله: لا تقبلوا الهدايا فإنها رشوة». اهـ. وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٤/ ٣٢٠ وهو ضعيف؛ لانقطاعه؛ لأن الشعبي لم يسمع من عمر، والمتقي الهندي في كنز العمال - الترهيب عن القضاء - (١٤٤٨٨)، ٥/ ٨٢٣، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب الإشراف، ص ٢٥١، ٢٩٤. (٣) ينظر: روضة القضاة وطريق النجاة ١/ ٨٥، والخرشي على مختصر خليل ٢/ ٢١٦، وقد رجعت إلى كتاب فقه الأوزاعي فلم أقف فيه على هذا القول، كما لم أقف عليه فيما توفر لدي من مصادر. والله أعلم.