للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وحكي عن ابن كَجٍّ أنه قال: ذكر جماعة من فقهاء أبي حنيفة والشافعي: إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال، فله أن يأخذ عُشر ما يتولاه من أموال اليتامى، والوقوف للضرورة.

ثم بالغ في الإنكار عليه، وقال: أيُّ ضرورة في هذا إن لم يتفرغ للقضاء من غير رزق فليمتنع، ومن ذهب إلى هذا فكأنه ذكر العُشر تمثيلا وتقريبا، ولا بد من النظر إلى كفايته، وإلى قدر المال والعمل (١) (٢).

قلت: ما أفسد الدين إلا الإغضاء (٣) عن مثل هذا الكلام، وهو الحنفية والشافعية - غفر الله لهم - إن كانوا قالوا هذا الكلام في واقعة خاصة في بلد اشتدت فيها ضرورة القاضي، ولم يوجد غيره، وكان عُشر ما يتولاه قدر أجرة عمله، فيحتمل.

وأما إذا لم يكن كذلك، أو أن يجعل هذا عاما في جميع الأحوال وإن زاد عُشر الأوقاف عن أجرة عمله، فمعاذ الله أن يكون هذا في دين الله، ولا يُحمل قول من قال ذلك من الفقهاء إلا على واقعة خاصة أفتوا بحسبها، والفتاوى التي تجري في الوقائع الخاصة لا تتعداها، ولا عموم فيها، فلا يظن أحد من القضاة الفَجَرَةِ أن له متمسكا بها.

وقال القفال الكبير (٤) في كتاب «أدب القضاة» (٥) في «عيادة القاضي».


(١) ينظر: العزيز شرح الوجيز ١٢/ ٤٥٨، ٤٥٩.
(٢) إلى هنا انتهى كلام ابن الرفعة الذي مبتدأه ص ٨٣، ينظر: كفاية النبيه ١٨/ ١٠٢ - ١٠٤.
(٣) الإغضاء: إدناء الجفون، وأغضيت على القذى وغضوت عليه؛ أي: سكت، وقيل: التغافل. ينظر: العين ٤/ ٤٣١، المحيط في اللغة ١/ ٤١٥، مجمع بحار الأنوار ٤/ ٤٥، مادة (غضى).
(٤) هو محمد بن علي بن إسماعيل، القفال الكبير، الشاشي، أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء، له: محاسن الشريعة، توفي سنة ٣٦٥ هـ. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ٢٠٠ وما بعدها.
(٥) لم أقف على أصل الكتاب للقفال، والله أعلم.

<<  <   >  >>