قال بعض الأصوليين: إذا قال الصحابي في أحد الخبرين المتواترين: إنه كان قَبْل الآخر - قُبِل، ولزم منه نسخ المتأخِّر، وإن لم يُقبل قولُه في نسخ المعلوم (١)" (٢).
ولقائل أن يقول: لا يندفع السؤال بواحدٍ من الجوابين (٣):
أما الأول: فإنا لا نعقل كونه منسوخًا حتى نعقل كونه قبل ذلك من القرآن، وكونه من القرآن لا يثبت (بخبر الواحد)(٤)، وقوله: "لا نسلم أن القرآن المنسوخ لا يثبت بخبر الواحد" - قلنا: لأن نسخه (٥) لا يكون إلا
= متقدمة لا متأخرة، وثبوت كونها متقدمة لا يشترط فيه التواتر. فإثبات نسخ آية العشر رضعات ليس بسبب قول عائشة رضي الله عنها: "ثم نسخن"؛ لأنه خبر واحد لكن بسبب أنها رضي الله عنها بيَّنت تاريخ نزول الخمس، وأنها متأخرة، حتى أنها كانت تُقرأ بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فَقَبِلْنا قولَها في تاريخ النزول، وهو يتضمن نسخ المتأخِّر للمتقدم، فثبت نسخ العشر تضمنًا لثبوت التاريخ، وثبوت التاريخ لا يشترط فيه التواتر. (١) المعنى: أن الصحابي إذا أخبر بأنَّ أحد الخبرين المتواترين قَبْل الآخر - قُبِل قوله، ولزم مِنْ قبول قوله نسخ المتأخر للمتقدم، مع أنّ الصحابي لو أخبرنا بأن هذا الخبر المتواتر ناسخ للخبر الآخر المتواتر - لا يُقبل قوله في النسخ، فهذا يدل على أن الشيء قد يثبت ضمنًا بما لا يثبت به استقلالًا، فالنسخ لا يثبت بقول الصحابي استقلالًا، ولكن يثبت بقوله ضمنًا، أي: إذا تضمن قولُه النسخ - قُبِل، وإذا صَرَّح به رُدَّ ولم يُقبل. وتعليل هذا سيأتي إن شاء الله تعالى. (٢) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣٠٩. (٣) أي: جوابَيْ صفي الدين الهندي رحمه الله، وهما: مَنْع اشتراط التواتر في إثبات المنسوخ تلاوته، ومع التسليم بالاشتراط فيمكن ثبوت المنسوخ تلاوته بخبر الواحد ضمنًا لا استقلالًا. (٤) في (ص): "بخبر الواحد قلنا". وزيادة لفظه "قلنا" لا معنى لها. (٥) قوله: لأن نسخه. . . إلخ - تعليلٌ للرد والإبطال، لا للتأييد والانتصار.