الأخذ، وهذه صدرت من موسى سؤالًا على جهة العرض، لا الاعتراض، فعند ذلك قال له الخضر:{هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ}، أي: هذا وقت ذلك، بحكم ما شرطتَه على نفسكَ، ثم وعدَه بأن يُخبرَه بحكم تلك الأحكام، فقال:{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَاكِينَ يَعمَلُونَ فِي البَحرِ}، القراءة المتواترة بتخفيف السين، جمع مسكين. سُمُّوا بذلك على جهة الشفقة والترحُّم، وقيل: كانوا فيها أجراء، وروي عن ابن عباس أنه قرأها:(مسَّاكين) بتشديد السين، جمع مسَّاك، لإمساكهم السفينة، قيل: كانوا عشرة، خمسة منهم يعملون في البحر، وخمسة منهم زَمنى (١)، وقد تقدَّم الفرق بينَ المسكين والفقير في كتاب الزكاة.
وقوله:{وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصبًا}، وراء في أصلها: بمعنى خلف، فقال بعض المفسرين: إنه كان خلفهم، وكان رجوعهم عليه، والأكثر على أن معنى وراءَ هنا: أمام، وهذا القول أولى لقراءة سعيد:(وكان أمامَهم)، ولما يأتي في بقية الحديث، وقال بعضهم: وراء: يكون من الأضداد. قال الشاعر:
أي: أمامي. وأصل هذا: أن كل ما يوارى عنك فهو وراء، وقيل: اسم هذا المَلِك: هدد بن بدد بن جُريج. وقال الكلبيُّ: الجَلَندى (٢). والغصب: أخذ مال الغير على جهة القهر والغلبة والمجاهرة. وقد بيَّن وجهَ الحكمة في خرق السفينة في الرواية الأخرى بقوله: فإذا جاءَ الذي يُسَخِّرُها وجدَها منخرقةً فيجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ، ويحصلُ من هذا: الحضُّ على الصبر في الشدائد، فكم في
(١) زَمْنى: من الزَّمانة، وهي العاهة، والمرض الدائم. (٢) انظر هذه الأسماء في تفسير القرطبي (١١/ ٣٦).