ثم لمّا ملك الأشرف برسباى، صارت المماليك سبع طوائف: ظاهرية، وناصريّة، ومؤيّديّة، ونوروزيّة، وحكميّة، وططريّة، وأشرفيّة، كلّ طائفة منها مباينة لجميعها، فلذلك اضمحلّت شوكتهم وانكسرت حدّتهم، وأمنت على السّلطان غائلتهم، ولم يخف ثورتهم لتفرّقهم وإن كانوا مجتمعين، وتباينهم وإن كانوا في الظاهر متّفقين.
واعلم أنّه كانت عادة الخلفاء من بني أميّة وبني العبّاس والفاطميين، من لدن أمير المؤمنين عمر ابن الخطّاب ﵁ أن تجبى أموال الخراج، ثم تفرّق من الدّيوان في الأمراء أو العمّال والأجناد على قدر رتبهم وبحسب مقاديرهم. وكان يقال لذلك في صدر الإسلام «العطاء»(١).
وما زال الأمر على ذلك إلى أن كانت دولة العجم، فغيّر هذا الرّسم، وفرّقت الأراضي إقطاعات على الجند. وأوّل من عرف أنّه فرّق الإقطاعات على الجند، نظام الملك أبو عليّ الحسن ابن عليّ بن إسحاق بن العبّاس الطّوسي، وزير ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق، ثم وزير ابنه ملكشاه بن ألب أرسلان (٢). وذلك أنّ مملكته اتّسعت فرأى أن يسلّم إلى كلّ مقطع قرية أو أكثر أو أقلّ على قدر إقطاعه، لأنّه رأى أنّ في تسليم الأراضي إلى المقطعين عمارتها لاعتناء مقطعيها بأمرها بخلاف ما إذا شمل جميع أعمال المملكة ديوان واحد، فإنّ الخرق يتّسع ويدخل الخلل في البلاد (٣) ففعل نظام الملك ذلك، وعمرت به البلاد وكثرت الغلاّت. واقتدى بفعله من جاء بعده من الملوك، من أعوام بضع وثمانين وأربع مائة إلى يومنا هذا.
(١) العطاء. المصطلح الأكثر شيوعا في الصدر الأول للإسلام للتدليل على أعطيات المسلمين اللازمة للإعاشة، وفي فترة لاحقة للتدليل على رواتب الفرق. فلم يكن للمسلمين الأوائل سوى الحصول على نصيبهم في الغنائم الناتجة عن الغزوات، ونظّم الفقهاء بعد ذلك طريقة توزيع الفيء. (راجع، الطبرى: تاريخ ٦١٣: ٣ - ٦١٨؛ الماوردي: الأحكام السلطانية ١٨٠ - ١٨١؛ Tritton، A.S.، «Notes on the Muslim System of Pension»، BSOAS XVI (١٩٥٤)، pp. ١٧٠ - ٧٢; Cahen، Cl.، El ٢? (art.c? Ata'I، pp. ٧٥١ - ٥٢ (٢) نظام الملك أبو عليّ الحسن بن عليّ بن إسحاق الطّوسي (٤٠٨ - ٤٨٥ هـ/ ١٠١٨ - ١٠٩٢ م) الوزير الشهير للسلطان السلجوقي ألب أرسلان وولده ملكشاه، راجع أخباره في كتب التاريخ العامة وكذلك ابن خلكان: وفيات الأعيان ١٢٨: ٢ - ١٣١؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء ٩٤: ١٩ - ٩٦؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ١٢٣: ١٢ - ١٢٧؛ السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٣٠٩: ٤ - ٣٢٨؛ عبد الهادي رضا محبوبة: نظام الملك كبير الوزراء في الأمة الإسلامية - دراسة تاريخية في سيرته وأهم أعماله خلال استيزاره، القاهرة - الدار المصرية اللبنانية ١٩٩٨؛ Bosworth، C.E.، El ٢? art.Niza? m al-Mulk VIII،.pp. ٧١ - ٧٤ (٣) البنداري: تاريخ دولة آل سلجوق، القاهرة - مطبعة الموسوعات ١٩٠٠، ٥٥.