للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولم تزل هذه الجهة مقبرة إلى ما بعد السبع مائة بمدّة، فرغب الأمير سيف الدّين الحاج آل ملك في البناء هناك، وأنشأ الجامع المعروف به في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، وعمّر دارا وحمّاما، فاقتدى النّاس به وعمّروا هنالك (a). وكان قد بنى تجاه المصلّى قبل ذلك الأمير سيف الدّين كهرداش المنصوري دارا تعرف اليوم ببيت الحاجب (b)، فسكن في هذه الجهة أمراء الدّولة (١)، وعملوا فيما بينم الرّيدانيّة والخندق مناخات الجمال، وهي باقية هناك.

فصارت هذه الجهة في غاية العمارة، وفيها من باب النّصر إلى الرّيدانيّة سبعة أسواق جليلة يشتمل كلّ سوق منها على عدّة حوانيت كثيرة: فمنها سوق اللّفت، وهو تجاه باب بيت الحاجب الآن عند البئر، كان فيه من جانبيه حوانيت يباع فيها اللّفت، ومن هذه السّوق يشتري أهل القاهرة هذا الصّنف والكرنب، وتعرف هذه البئر إلى اليوم ببئر اللّفت.

ويليها سويقة زاوية الخدّام، وأدركت بهذه السّويقة بقيّة صالحة، ويلي ذلك سوق جامع آل ملك، وكان سوقا عامرا، وفيه غالب ما يحتاج إليه من المآكل والأدوية والفواكه والخضر وغيرها، وأدركته عامرا. ويليه سويقة السّنابطة، عرفت بقوم من أهل ناحية سنباط سكنوا بها، وكان سوقا كبيرا، وأدركته عامرا. ويليها سويقة أبي ظهير، وأدركتها عامرة. ويليها سويقة العرب، وكانت تتّصل بالرّيدانيّة، وتشتمل على حوانيت كثيرة جدّا أدركتها عامرة وليس فيها سكّان، وكانت كلّها من لبن معقود عقودا.

وكان بأوّل سويقة العرب هذه فرن أدركته عامرا آهلا، بلغني أنّه كان يخبز فيه، أيّام عمارة هذا السّوق وما حوله، كلّ يوم نحو السبعة آلاف رغيف. وكان من وراء هذا السّوق أحواش فيها قباب معقودة من لبن، أدركتها قائمة وليس فيها سكّان، وكان من جملة هذه الأحواش حوش فيه أربع مائة قبّة يسكن فيها البزادرة والمكاريّة، أجرة كلّ قبّة درهمان في كلّ شهر، فيتحصّل من هذا الحوش في كلّ شهر مبلغ ثمان مائة درهم فضّة، وكان يعرف بحوش الأحمدي.


(a) بولاق: هناك.
(b) بولاق: دار الحاجب.
(١) فيما تقدم ٢٠٧.