للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أبو العبّاس أحمد بن طولون مدينته التي عرفت ب «القطائع» وأنشأ في غربها الجامع عند الشّرطة العليا على جبل يشكر من العسكر المعروف اليوم بجامع ابن طولون فعمرت هذه الخطّة - أعني الحمراء - عمارة عظيمة حتى صار فيها مكان قدر ذراع يؤجر في كلّ يوم بعشرة دراهم - وهي يومئذ تقرب من مثقال ذهب - وعمّر باقي قبلي العسكر فيما بينه وبين مدينة الفسطاط الدّور الجليلة منها دار الإمارة وغيرها، وهي حيث الفضاء الذي فيما وراء بركة قارون. ثم خربت بعد ذلك هذه المواضع شيئا بعد شيء إلى أن كانت غلوة المستنصر في أعوام بضع وخمسين وأربع مائة فخربت كلّها وصارت فضاء من السّاحل القديم بمصر حيث المكان الذي عرف ببستان ابن كيسان ويعرف اليوم ببستان الطّواشي من بحري المراغة بطريق مصر تجاه غيط الجرف الفاصل بينه وبين الخليج الطّريق التي يقال لها بين الزّقاقين، فكان من هذا المكان إلى حيث قناطر السّباع فضاء ليس فيه سوى الكنائس التي هدمت في أعوام بضع وعشرين وسبع مائة.

وكان من يقف عند بركة قارون فإنّه يرى النّيل، وكذلك من يقف بالكبش فإنّه يرى النّيل قريبا منه؛ فيمرّ النّيل بشاطئ جنان الزّهري إلى المقس، ويمرّ من المقس في بحريه على شاطئ الأرض التي تعرف اليوم بأرض الطّبّالة، فإذا كان في أيّام زيادة النّيل غمر الماء أرض الطّبّالة ومرّ على الموضع الذي يعرف اليوم بالبعل تجاه قناطر الوزّ إلى التّاج على منية السّيرج. وكان ما بين المقس وبين الحمراء حيث الكبش على حافة الخليج وغربيه جميع ذلك بساتين يشرف على بعضها منظرة اللّؤلؤة ودار الذّهب ودار الشّابورة وغيرها.

وكانت موردة السّقّائين تجاه باب الفرج، وما بين سور القاهرة من باب القنطرة إلى باب الفرج فضاء فيما بين ذلك وبين الخليج تخرج العامّة فيتفرّجون هنالك أخريات كلّ يوم ويكون لهم هناك من الاجتماع للأنس واللّذّات ما لا يمكن حكايته.

وكان تجاه باب الفتوح منظرة من مناظر الخلفاء يجلس فيها الخليفة لعرض العساكر عند مسيرها إلى البلاد الشّاميّة، وتجاه هذه المنظرة في بحريها وغربيها البساتين والميدان ممتدّة على الخليج من شرقيه إلى منية مطر التي تعرف اليوم ب «المطريّة» بالقرب من عين شمس.

وكان من موردة السّقّائين تجاه باب الفرج إلى تجاه باب زويلة الآن: حارة السّودان التي تعرف ب «المنصورة»، فلمّا قتلهم السّلطان صلاح الدّين في سنة ستّ وستين وخمس مائة، أمر بهدمها وعملها بستانا، وفيما خرج عن الباب الجديد - الذي يعرف بباب القوس - فصار في شرقي الخليج من حدّ شقّ الثّعبان إلى الشّارع حارة اليانسيّة وحارة الهلاليّة، وكان الشّارع فاصلا بين