للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المصدور، ويتأوّه تأوّه المحرور، ويهم بأمر الحزم لو يستطيعه (١)، ويحاول حالًا ولا يجد من يطيعه، وكتب سرًّا إلى ابن طولون (٢) وإلى صاحب إفريقية، يشكو إليهما حاله مع أخيه، ثم مع ابن أخيه (٣)، ويصف لهم سوء حاله وما هو فيه، فهموا، إنما حالت بينهم وبينه عوارض القدر، وشقّة البُعد، وكان الموفق لا يفك عنه وثاق حجره، ولا يرفع عنه يد قهره.

ذكر ابن الأثير (٤) عنه أنه احتاج إلى ثلثمائة دينار، فلم يجدها فقال: [من الوافر]

أليس من العجائب أن مثلي … يرى ما قلَّ ممتنعًا عليه

وتؤكل (٥) باسمه الدنيا جميعا … وما مِنْ ذاك شيء في يديه

إليه تحمل الأموال طرًّا … ويُمنع بعض ما يجبي إليه

قال: وكان آخر من سكن من الخلفاء بسر من رأى، ثم لم يسكنها أحد منهم، قلت: دام على ما به أيام أخيه الموفق، ثم مات الموفق (٦) وقام ابنه المعتضد (٧)، فكان أشدّ شجى منه في حَلْق المعتمد، وما مضت سنة حتى سمه وكفاهم هم الدنيا واكتفى همه، يقال: إن المعتضد سمه، وقيل: بل أفرغ في حلقه رصاصًا مذابًا، وقيل: لا بل ملأ له حفرة من ريش ورماه فيها فمات غمًا (٨).

ثم:


(١) تضمين لقول الشاعر الجاهلي:
أهم بأمر الحزم لو استطيعه … ولكن حيل بين العير والنزوان
(٢) أحمد بن طولون صاحب، مصر، شخص المعتمد سنة ٢٦٩ هـ إلى الجزيرة يريد اللحاق بمصر فقبض عامل الجزيرة اسحاق بن كنداج على قواد المعتمد الذين قدموا معه، وأعادهم معه إلى سامراء. انظر تاريخ الطبري ٩/ ٦٢٠ وكامل ابن الأثير ٦/ ٤٩.
(٣) هو أبو العباس أحمد بن طلحة، المعتضد بالله، وستأتي ترجمته.
(٤) الكامل في التاريخ ٦/ ٧٣، والأبيات في تاريخ الخلفاء ص ٣٦٥.
(٥) في الكامل: وتؤخذ.
(٦) توفي أبو أحمد الموفق بالله بن المتوكل سنة ٢٧٨ هـ بعد أن قضى على حركة الزنج في البصرة، انظر كامل ابن الأثير ٦/ ٦٧ وتاريخ الطبري ١/ ٢٠.
(٧) أحمد بن الموفق بالله بويع له بولاية العهد بعد المفوض جعفر بن المعتمد، وفي سنة ٢٧٩ هـ خرج المعتمد وجلس للقضاة والقواد ووجوه الناس وأعلمهم أنه خلع ابنه المفوض إلى الله جعفر من ولاية العهد وجعل ولاية العهد للمعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق وشهدوا على المفوض أنه قد تبرأ من العهد واسقط اسمه والسكة. انظر الكامل ٦/ ٧٢ والطبري ١٠: ٢٨.
(٨) في تاريخ الطبري ١٠/ ٢٩: أنه شرب على شط في الحسني شرابًا كثيرًا،، وتعشى فأكثر، فمات.
انظر كذلك كامل ابن الأثير ٦/ ٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>