تبطئ عليه أن استنصرك ولتكن أيديكما واحدة، وكلمتكما متفقة، ثم قال: سَلْ حوائجك وعجل السراح إلى عدوّك، فدعا له أحمد بن مزيد وقال: يا أمير المؤمنين بكر (١) لي في الدعاء، ولا تقبل في قول باغ، ولا ترفضني قبل المعرفة بذنبي (٢) ولا تنقض علي ما استجمع من رأي، ومُنْ عليَّ بالصحف عن ابن أخي عبد الله بن حميد (٣)، وكان قد أمره الأمين بالخروج فتشرط فحبسه.
وحكي: أنه لما كان محصورًا خرج يومًا خادمه كوثر، وكان مضنى به حبًّا، وكلفًا به غرامًا، فأصابته جراحة أَدْمَت حرّ وجهه، ونثرت ورد دمه على ياسمين خدّه، فقال: [من مجزوء الرمل]
ضربوا قرة عيني … ومن أجلي ضربوه
أَخَذَ الله لقلبي … من أناس جرحوه
وكان (٤) أبو نواس قد اعتقله الرشيد على كلمة قالها تعرض فيها إلى التنقص بقريش، فلما ولي الأمين، وكانت لأبي نواس به ذمّة قديمة فقال: [من الطويل]
تذكر أمين الله والعهد يذكر … مقامي وإنشاديك والناس حُضّرُ
ونثري عليك الدر يا در هاشم … فيا مَنْ رأى درًّا على الدر ينثر
أبوك الذي لم يملك الناس مثله … وعمك موسى عَدْلُه متخيَّر
وجدك مهدي الهدى وشقيقه … أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر
وما مثل منصوريك منصور هاشم … ومنصور قحطان إذا عُدَّ مفخر
فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا … وعبد مناف والداك وحِمْيَرُ
فغنت جارية بهذه الأبيات بين يدي الأمين، فقال: لمن هذه الأبيات؟ فقيل له: لأبي نواس، وقال: وما فعل؟ فقيل له: محبوس، قال: ليس عليه بأس، قال: نبعث إليه رجل من المجلس يعلمه بحاله قال: فقال (٥): [من الوافر]
أرِقْتُ وطار عن عيني النعاس … ونامَ الساهرون (٦) ولم يُواسوا
(١) في الطبري: كثر.
(٢) في الطبري: ولا ترفضني قبل المعرفة بموضع قدمي لك.
(٣) كذا في الأصل، وابن أخيه أحمد بن يزيد بن يزيد الذي أراد الأمين إرساله لحرب عبد الله بن طاهر فتشرط عليه محبه، وأما عبد الله حميد فقد أرسله الإمين مع أحمد بن مزيد (انظر الطبري ٨/ ٤١٨).
(٤) الخبر والأبيات في تاريخ الطبري ٨/ ٥١٤، وانظر ديوانه ص ١٠٦.
(٥) الديوان ص ١٠٧.
(٦) الديوان وتاريخ الطبري: السامرون.