للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تقدم به والناس وراءه، قدمه فضله واستحقاقه، ونبله الذي ضرب على ربي المجرة رواقه ولحق في أوانه بجلة الرؤساء، وحلَّ من أئمة زمانه محلة الجلساء، وسبق أهل جيله حيث لا يلحقه إحضار، وخلق مع أبناء جنسه إلا أن طينته جبلت من معدن النضار، ولم يعالج عليلًا، ثم أصبح ببقائه ليس ينتفع ولا دافع مطل إلا ثم أضحى بملاطفته لا ينتفع.

وكان لا يطبب إلا بالأهون على العليل، والأحب إليه وإن كان النفع به من القليل على أنه البحر الذي لا يشق له عُباب، والوقوف عليه إذا لم يوجد باب، وألقيت عليه من الله محبة لم يره إلا من شغف بحبه، وشغل بطبه، وفضله على كل نكرة ومعروف، وكل ذي طب يُسرّح نظرًا باحسان، ويمسك يدًا بمعروف، ولم ألحق أحدًا من الكبراء وأهل العلم إلا من كان يحسن عليه الثناء، ويجلو بأوصافه الحسناء.

قال لي عمي الصاحب شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب : هو آخر الأطباء الذين رأتهم عيني.

وسألت عنه شيخنا شهاب الدين أبا الثناء الحلبي، فقال: كان يقال هو جالينوس وقته. ثم أخذ في وصفه وذكر ما كان عليه من حسن الملاطفة وإحسان العلاج.

قال ابن أبي أصيبعة (١): كان أبوه مجد الدين قاضيًا ببعلبك، ونشأ هو بدمشق، واشتغل بها في الطب على المهذب عبد الرحيم بن علي، وجمع له العلم الغزير والذكاء المفرط والمروءة التامة، وكانت له همة عالية الأشغال ونفس جامعة لمحاسن الخلال، وكان لا يخلو له وقت من التزيد في العلم والعناية بالمطالعة والفهم. وكان قد توجه صحبة المهذب لما طلبه الملك الأشرف، وخدم بالمارستان بالرقة، وصنف مقالة حسنة في الرقة واشتغل بها في المحكمة على الزين الأعمى، وكان إمامًا في العلوم الحكمية، ثم عاد ابن قاضي بعلبك إلى دمشق فلما طلبها الجاد يونس حظي عنده، وتمكن في دولته، واعتمد عليه في صناعته، وولاه الرياسة على الأطباء والكحالين والجرائحية، وكتب له توقيعًا بذلك فجدد من محاسن الطب ما درس وأعاد من الفضائل ما دثر، ولم يزل مجتهدًا حتى اشترى أدرًا كثيرة جوار المارستان النوري وهدمها وبناها وأضافها إليه، ثم خدم الصالح أيوب وأرصده لمعالجه الحُرم وجدد له توقيعًا بالرياسة على أطباء الشام، ثم خدم من بعده من الملوك، ولم يغير عليه عادة مستمرة له، ثم تجرد لعلم الفقه، وسكن بيتًا بمدرسة ابن قليج، وكانت جوار داره،


(١) عيون الأنباء ٧٥١.

<<  <  ج: ص:  >  >>