للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحكماء علمًا، وفي إثبات الحكم قلمًا عزَّ وجوده، وقلما فاض إناؤه، وآض اجتناؤه، وكان لفروع الطب شجرة يكاد زيتها يُضيء، ويقال في ظلها ويفيء، كأنما جالس رسطاطاليس، وجال مع تلك الجماعة في تقرير تلك النواميس، ولهذا اشتهر، وملأ العيون وبهر، وكان ممن يستصح برأيه، ويستصبح بذكائه، هذا إلى خط أوتيه، وحظ كان يواتيه.

قال ابن أبي أصيبعة (١): إليه انتهت رياسة صناعة الطب ومعرفتها على ما ينبغي، ولم يكن في اجتهاده من يجاريه، ولا في علمه من يماثله، أتعب نفسه في الاشتغال، وكد خاطره في تحصيل العلم حتى فاق أهل زمانه وحظي عند الملوك، ونال من جهتهم من المال والجاه ما لم ينله غيره من الأطباء. وكان في مبدأ أمره كحالًا وكذلك كان أخوه حامد بن علي، وكان الدخوار يكتب خطًا منسوبًا ونسخ الكثير، وقرأ النحو على الكندي، والطب على الرضي الرحبي ثم لازم الموفق بن المطران، ثم أخذ عن الفخر المارديني لما قدم دمشق، وخدم الملك العادل بن أيوب، ثم لم تزل تسمو منزلته عنده حتى صار جليسه وصاحب مشورته، وظهرت له منه نوادر في تقدم المعرفة منها: أن العادل عرض له مرض وأشار الدخوار عليه بالفصد، فلم يوافقه بقية الأطباء على ذلك، فقال لهم: والله إن لم يخرج دمًا، وإلا خرج الدم من غير اختياره. فما مضى أيسر وقته حتى طفر الدم من أنفه ورعف رعافًا كثيرًا وصلح، فعلم أنه ليس في الكل مثله.

ومنه أنه كان يومًا على باب دار السلطان ومعه جماعة من الأطباء إذ خرج خادم ومعه قارورة جارية يستوصف لها لشيء شكت منه، فلما رأوها وصفوا لها ما حضرهم، فقال الدخوار: إن هذا الذي شكت منه ما يوجب صبغ الماء هكذا. يوشك أنه من حناء اختضبت، به فقال له الخادم: نعم تخضبت بحناء، فأخبر العادل بذلك، فتزايد حسن اعتقاده فيه.

ومن أحسن ما يؤثر عنه أن الملك العادل كان قد غضب على قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي لأمر نقمه عليه، وأمر باعتقاله بقلعة دمشق إلى أن يزن عشرة آلاف دينار مصرية وشدد عليه، فأقام في السجن والمطالبة، ووزن البعض وعجز عن البقية. وقال السلطان: إن لم يزن بقية المال وإلا عذبته. فتحير القاضي وباع جميع موجوده وأثاث بيته حتى الكتب التي له، وتوسل إلى السلطان بكثير من الأمراء والخواص في المسامحة، أو التقسيط عليه فلم يقبل، فأتى الدخوار إليه ليتفقده لمودة


(١) عيون الأنباء ٧٢٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>