للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سواه إليه، والإنعام العام، والإحسان التام، والهمم العالية، والآلاء المتوالية، قد بلغ من صناعة الطب إلى غاياتها، وانتهى إلى نهايتها، وفاز بمحصولها، وأتقن علم فروعها وأصولها. حتى قلل له المماثل، وقصر عن معانيه كل فاضل. كان أولًا عند الأمجد صاحب بعلبك طبيبًا فلما توفي بدمشق، استقل أمين الدولة بالوزارة العمادية، فساس أحسن سياسة، وبلغ في التدبير نهاية الرياسة، وثبت قواعد الملك وأيدها، ورفع مباني الفضل وأيدها، وجدد معالم العلم والعلماء، وأوجد من الفضائل ما لم يكن لأحد من القدماء. ولم يزل عالي القدر نافذ الأمر، مطاع الكلمة، كثير العظمة إلى أن ملك دمشق الملك الصالح أيوب، وجعل نائبه بها ابن شيخ الشيوخ، وأعطى الصالح اسماعيل بعلبك، فانتقل إليها وبقي وزيره بدمشق، وقد جمع له ولصاحبه أموالًا عظيمة جدًا أخذها من أهل دمشق بموافقة القاضي الرفيع الجيلي، فاتفق ابن شيخ الشيوخ والصاحب ابن مطروح على مكيدة عملت وهي أنهما طلبا أمين الدولة فلما أتى قاما له وقالا: إن أردت الإقامة بدمشق فابق على حالك، وإن أردت أن تلحق صباحك فتقيم عنده فافعل. فقال: لا والله بل ألحق مخدومي وأكون عنده ثم أنه خرج بجميع أمواله وذخائره وخواصه وجميع ما يملكه حتى أثاث بيته وحصر دوره.

فلما صار ظاهر دمشق بما معه قبض عليه، وأخذ جميع ما كان معه قد جمعه واحيط على أملاكه واعتقل. ثم حمل إلى القاهرة فأودع السجن بقلعة الجبل مع جماعة أخر من الحاشية العمادية، فلما أتى الملك الناصر يوسف بن العزيز من حلب إلى دمشق وملكها، صار معه الصالح اسماعيل وسائر ملوك مولاه الصالح أيوب فلما التقوه كانت الكسرة أولًا على العسكر المصري ثم دارت الدائرة على العسكر الشامي، وقبض الصالح اسماعيل وجماعة من الملوك والأمراء وحبسوا بمصر، ثم أطلق بعضهم، وأما الصالح اسماعيل فكان آخر العهد به.

وحكي أن أمين الدولة لما سمع بما كان من ظهور العسكر الشامي على المصريين على ما كان أولًا، وعد المتحدث في القلعة عند طلوع الملوك بمواعيد أطمعته، فأخرج من كان عنده، وكانوا ثلاثة: أمين الدولة، وناصر الدين بن يغمور، وأمير كردي، فقال الكردي يا قوم لا تستعجلوا واقعدوا مكانكم، فإن كان الأمر صحيحًا فأستاذنا يخرجنا ويحسن إلينا، وإن كان غير صحيح، فقعودنا أصلح لنا، فلم يلتفت أمين الدولة وابن يغمور إليه، وخرجوا وتأخر هو وقعد الوزير أمين الدولة وابن يغمور في القلعة، وأمروا ونهوا فلما جاءت الأخبار المؤكدة بعكس ما طار إليهم به أول الخبر أمر العز بقتل ابن يغمور وشنق أمين الدولة، واطلاق الكردي، فاطلق

<<  <  ج: ص:  >  >>