للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الطب ما فاق به أقوال المتقدمين، وتميز على جميع نظرائه من الحكماء والمتطببين. هذا مع الفطرة الفائقة، والألفاظ الرائقة، والنظم البليغ والترسل البديع ولازم ابن عبد السلام المارديني وأخذ عنه الطب والحكمة. وكانت لابن رقيقة يد طولى في الكحل. والجراح وعمل الحديد، وداوى أمراض العين، وقدح الماء النازل، وأنجب عمله، وكان المقدح الذي له مجوفًا وله عطفة ليتمكن وقت القدح من امتصاص الماء، ويكون العلاج به أبلغ. واشتغل بعلم النجوم. ونظر في حيل بني موسى، وعمل منها أشياء مستظرفة.

قال: ولد الحانوتي (١) سنة أربع وستين وخمسمائة، وعالج صاحبها الأرتقي من مرض في عينيه فرأى سريعًا، وكان إذ ذاك دون العشرين، فاستخدمه عنده ثم خدم المنصور صاحب حماة مدةً، ثم سافر إلى أخلاط وكان صاحبها الأوحد أيوب بن العادل فخدمه وخدم صهره صلاح الدين ابنا غيسان، وكان زوج ابنة الأوحد. وكانت بنت الأوحد محسنة إليه ثم خدم بعده الأشرف شاه أرمن، ثم أتى إليه إلى دمشق فأكرمه، واستخدمه للحرم وفي البيمارستان، ولم يزل بها إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين وستمائة.

وله شعر منه: [من الكامل]

يا مُلبسي بالنطق ثوبَ كَرَامَةٍ … ومُكْملي جُودًا به ومقومي

خُذني إذا أَجَلي تناهى وانقضى … عُمْري على خَطَّ إليكَ مُقوَّمٍ

وقد اجتويت ثواي فيهِ ومَنْ تكن … دارُ الغُرور لهُ مَحَلًا يسأمَ

دار يُغادر بؤسها وشقاءها … مَنْ حَلَّها وكأنه لم ينعم

لا ترتضي الدنيا الدنية موطنًا … تُعلى على رُتب السواري الأنجم

فتشاهدي ما ليس يُدْرَكُ كُنهُهُ … بالفكر أو بتوهُم المُتوهّم

وتجاوري الأبرار في مستوطن … لا دائر البقيا ولا مُتهدم

يا أيها المغرور شِبْتَ ولمْ تَعُدُّ … عَمَّا لَهجتَ بهِ ولم تتندم

لا تحسبن الشيبَ فيكَ لَعَلَّةٍ … عَرَضَتْ ولا لتلج في البلغم

لكن شبابك كانَ شَيطانًا ومَنْ … يَكُ ماردًا بالشهب حقًا يُرجَمَ الشعرج

والشيب إشراق الحجا وضياؤُهُ … فَأَهِنْ هَوَاكَ أَوان شيبكَ تُكرم

يا جابر العظم الكسير وغافر الـ … جُرم الكبير لكلِّ عبدٍ مُجرم


(١) في الأصل: «لحياني» وصوّبناه مما ذكره المؤلف في عنوان الترجمة.

<<  <  ج: ص:  >  >>