للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن أبي أصيبعة (١): كان أبوه أيضًا طبيبًا مشهورًا. واشتغل هو على الشيخ رضي الدين الرحبي، وتميز في الطب، وحظي عند الملوك، واعتمدوا عليه في المداواة والمعالجة، ونال من جهتهم الأموال الجسيمة والنعم ما يفوق الوصف. وحصل من الكتب الطبية وغيرها ما لا يكاد يوجد عند غيره، ولم يخدم أحدًا من الملوك في الصحبة، ولا تقيد معهم في سفر، وإنما كل منهم إذا عرض له مرض أو لمن يعز عليه طلبه، ولم يزل يعالجه ويطببه بألطف علاج وأحسن تدبير، إلى أن يفرغ من مداواته. ولقد حرص به الملك العادل أبو بكر بن أيوب بأن يستخدمه في الصحبة فأبى، وكذلك غيره من الملوك.

وحدثني الأمير صارم الدين التبنيني أنه لما كان بالكرك، وصاحبه الملك الناصر داود بن الملك المعظم. وكان الملك الناصر قد توعك مزاجه، واستدعى الحكيم عمران إليه من دمشق فأقام عنده مديدة وعالجه حتى صلح فخلع عليه، ووهب له مالًا كثيرًا، ورتب له جامكية في كل شهر ألف وخمسمائة درهم ناصرية، ويكون في خدمته، وأن يسلف منها عن سنة ونصف سبعة وعشرين ألف درهم.

أقول: وكان السلطان الملك العادل لا يزل يصله بالأنعام الكثير، وله منه الجامكية الوافرة والجراية، وهو مقيم بدمشق، ويتردد إلى خدمة الدور السلطانية بالقلعة. وكذلك في أيام الملك المعظم، وكان قد أطلق له أيضًا جامكية وجراية تصل إليه، ويتردد إلى البيمارستان الكبير، ويعالج المرضى به، وكان به أيضًا في ذلك الوقت شيخنا مهذب الدين عبد الرحيم بن علي ، وكان يظهر في اجتماعهما كل فضيلة، ويتهيأ للمرضى من المداواة كل خير، وكنت في الوقت أتدرب معهما في أعمال الطب. ولقد رأيت من حسن تأتي الحكيم عمران في المعالجة، وتحقيقه للأمراض ما يتعجب منه. ومن ذلك أنه كان يومًا قد أتى إلى البيمارستان وبه مفلوج والأطباء قد ألحوا عليه باستعمال المغالي وغيرها من صفاتهم، فلما رآه وصف له في ذلك اليوم تدبيرًا يستعمله، ثم بعد ذلك أمر بفصده، ولما فصد وعالجه، صلح وبرئ برأ تامًا، وكذلك رأيت له أشياء كثيرة من صفات مزاويره وألوان كان يصفها للمرضى على سبيل شهواتهم، ولا يخرج عن مقتضى المداواة فينتفعون بها. وهذا باب عظيم في العلاج. ورأيته أيضًا وقد عالج أمراضًا كثيرة مزمنة كان أصحابها قد سئموا الحياة، ويئس الأطباء من برئهم، فبرئوا على يديه بأدوية غريبة يصفها، ومعالجات بديعة قد عرفها. وقد ذكرت من ذلك جملًا في كتاب التجارب والفوائد.

وتوفي الحكيم المذكور في مدينة حمص في جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وستمائة، وقد استدعاه صاحبها لمداواته.

ومنهم:


(١) عيون الأنباء ٦٩٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>