هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزة من أعراضنا ما استحلت (١)
وأي الأمرين قدر فالنبيذ في معناه، والمعنى موجود فيه، وإذا ظهر موضع الاشتقاق استنبطنا المعنى وقسنا.
فإن قالوا: فكان ينبغي أن يسمى البنج خمرا؛ لأنه مخامر ومغطي.
قلنا: البنج اسم أعجمي عرب، وهو بنك، فعربوه بنج (٢)، ولم يكن عند العرب منه شيء ليتعدى إليه الاسم، فهو كاسم المسك.
وأما إثبات الحكم، وهو التحريم في نفسه من غير تعرض للاسم، فبطريق المعنى الواضح الجلي، وذلك أن نقول: معلوم أن الخمر لم تكن معينة بعينها؛ إذ هي مرة مفترة، وإنما صارت معينة لمعناها ومقصودها، وهو الطرب والنشاط، وإذا شربت دبت في شؤونه، فأظهرت مكنون ستره، وينشأ من ذلك الفحش والسفه، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فهي أم الخبائث، ومفتاح كل شر، وأصل كل فساد، وقد نبه الله على ذلك المعنى، حيث قال: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾ [المائدة: ٩١]، فعند هذا قال الشافعي ﵀: لا يخلو إما أن يكون المراد إرادة الشيطان لما يحصل من هذه الأمور بعد الشكر أو قبله، إن كان بعد
(١) هذا البيت لكثير عزة من قصيدة يمدح فيها عزة مطلعها: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا … قلو صيكما ثم ابكيا حيث حلت ومسا ترابا كان قد مس جلدها … وبيتا وظلا حيث باتت وظلت ديوان كثير عزة (٩٥، ١٠٠). (٢) تاج العروس (٥/ ٤٢٩).