وأما في الاصطلاح: فلها معنى من حيث حقيقتها ومن حيث مفرداتها:
أما حقيقة العبادة: فهي كمال المحبة مع كمال الخضوع (١)؛ أي: أن يكون العبد في قلبه محبة تامة وخضوع تام، فمن قام في قلبه هذان المعنيان، فهو عابد حقًا.
وأما من حيث مفرداتها: فأجمع تعريف لها، ما عرفها به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأنها:"اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة"(٢).
هذه هي العبادة التي خلقنا الله لها، فالله تعالى ما خلقنا لكي نعمر الأرض بالأكل والشرب والنكاح والتكاثر والنوم واليقظة والموت ثم ينتهي الأمر ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، خلق الله الخليقة لعبادته، فهذه هي حقيقة العبادة التي أمر الله بها جميع أنبيائه، فلا يظن ظان أن هذا هو فقط دين محمد ﵊ أودين إبراهيم ﵇ فحسب؛ كلا؛ ولذلك
قوله:(وبذلك أَمَرَ اللهُ جميعَ الناس وخلَقهم لها: قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣])، هذا هو مضمون رسالات الأنبياء جميعًا، وهي عبادة الله وحده دون ما سواه، ومما يدل على هذه الجمعية قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، أهل الإيمان يقرؤون
(١) ينظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٤٤٨)، الجواب الكافي (ص: ٢٢٨). (٢) ينظر: العبودية (ص: ٤٤)، مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩).