للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التاريخ قراءة إيمانية، فيرتبون التاريخ من لدن آدم مرورًا بنوح عبر أنبياء الله كما يصنع ابن جرير وابن كثير وغيرهما، وأما الماديون والغربيون ومن سار على شاكلتهم فإنهم يقرؤون التاريخ قراءة سطحية فيقولون: التاريخ القديم، والتاريخ الوسيط، والتاريخ المعاصر، ويَصُفُّون الرسالات النبوية مصافَّ الدول والأمم والمماليك المتعاقبة، وكأنما هي مظهر من مظاهر التاريخ، بينما نحن أهل الإسلام نرى أن التاريخ هو هذه السلسة من هذه الحلقات المتصلة من أنبياء الله ﷿ فنرى أن صلاح البشرية حينما تقترب من خط النبوة، وأن انحراف البشرية حينما تفترق عن خط النبوة، والمقصود أن العبادة تتناول جميع أمور الحياة، وليست العبادة هي ما تحيط به الجدران الأربعة وما يغطيه السقف في المساجد فقط! كلا، الحياة كلها مضمار للعبادة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، فما من صغيرة ولا كبيرة ولا شاذة ولا فاذة إلا وتندرج ضمن العبادة، لمن أصلح الله قلبه وأنار بصيرته، فالمؤمن اللبيب هو الذي يحول عاداته إلى عبادات، والغافل هو الذي يقلب عباداته إلى عادات، بحيث تكون جري العادة وتقليدًا وميراثًا.

والعبادة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: عبادة كونية: وهي مادلَّ عليها المعنى اللغوي.

القسم الثاني: عبادة شرعية: وهي مادلَّ عليها المعنى الشرعي.

فالعبادة الكونية تشمل جميع المخلوقات لا يخرج عنها أحد قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٩٣، ٩٤]، فكل من يدب على وجه الأرض فهو عبد لله شاء أم أبى؛ لأنه خاضع لنواميس الكون لا يخرج عن

<<  <   >  >>