مملوءة بالعلم والجهاد والتعليم! ولو تأملت في حال عامة الخلق تمر بهم عقود السنين ولا يأتون بطائل ولا شيئا ذا بال يستحق أن يُذكر، أما العشر سنوات التي أمضاها النبي ﷺ في المدينة، فكم تضمنت من غزوة، وسرية، وخطبة، وتعليم، وأحداث عظام؛ ببركة عمره ﷺ ونبوته.
وفاة النبي ﷺ-
قوله:(وَتُوُفِّيَ صَلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ): كما أخبر الله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، فتوفي النبي ﷺ في يوم اثنين في السنة الحادية عشرة من الهجرة في ربيع الأول، وكان قد بدأ مرضه في أواخر شهر صفر وأول شهر ربيع الأول، وقد شعر النبي ﷺ بمبادئه في حجة الوداع في السنة العاشرة، فكان يقول لجموع الناس:«لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ»(١)، فكان في هذا إشعار بأنه أدى المهمة، وأنزل الله تعالى عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وأنزل الله عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر] وكان من فقه ابن عباس ﵄ لما سأله عمر عن هذه الآيات أنه قال: «أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ»(٢)، فكانت هذه إرهاصات ومقدمات تُنبئ عن دنو أجله، وقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي
(١) أخرجه مسلم رقم (١٢٩٧)، من حديث جابر بن عبد الله، ﵄. (٢) أخرجه البخاري رقم (٣٦٢٧)، من حديث ابن عباس.