للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يجعلك متيقظًا متنبهًا. فلو قيل لك: إن فلانًا من الناس يكيد لك ويخطط لك، ويريد أن يوقع بك، ويتحين الفرصة لإيصال الأذية إليك، فإنك حينما تسير في الطريق تكون منتبهًا، تنظر عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك، وتترقب أن يأتيك أحد من خلفك، مستعدًا للمواجهة في كل حين؛ لأنك تعلم يقينًا أن ثَم عدو يتربص بك.

لو كنا نشعر بهذا في خبيئة قلوبنا تجاه الشيطان لكان لنا شأن آخر، لما كنا لقمةً سائغةً وفريسةً سهلةً لمكائد الشيطان وأحابيله، لكن لأننا نغفل وننسى أن ثم عدو يتربص بنا، يستجرنا ويوقعنا فيما حرم الله تعالى علينا، فانتبه لهذه الآية العظيمة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. هذا هو الطاغوت الأكبر ورأس الطواغيت الخمسة.

قوله: (وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ)؛ يعني: أنه قدمت له صنوف العبادة؛ من الدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وهو يرمق ذلك لا يغير ساكنًا، ولا ينكر منكرًا، فالراضي كالفاعل، هذا طاغوت، وإن قال: لم آمر بذلك، ولم أحملهم عليه، بل هم فعلوا ذلك. يقال: إن رضاك بذلك وعدم نكيرك له، يلحقك بالطواغيت، فإنك عبدت وأنت راضٍ، وهذا يحصل لكثير من المتبوعين والمطاعين الذين يتقدم لهم الناس ويعظمونهم ويغلون فيهم، يلحسون أيديهم، ويتمسحون بهم، ويطلبون منهم ما لا يُطلب إلا من الله ﷿، يطلبون منهم الغوث والمدد في أمور لا يقدر عليها إلا الله ﷿ ثم يستحسنون ذلك! كما يقع لبعض الممدوحين:

فَكُن كَما أشئتَ يا مَنْ لا شَبيهَ لَه … أو كَيفَ شِئتَ فَما خَلقٌ يُدانيكا

فيعجبه ذلك. ويقول أحدهم لآخر:

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ … فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ

ويعجبه ذلك، فهذا من الطواغيت.

<<  <   >  >>