ووقف مع السّلطان في منزلته؛ وتقدّم طغج وعين الغزال وأمير عمر وكيكلدي وقشتمر العجمي وبرلغي وأعناق الحسامي وبكتوت، ونحو الخمسين/ من أمراء السّلطان الشّبّان الذين أنشأهم من خاصّكيته، وعليهم تتريّات حرير أطلس بطرازات زركش، وكلّوتات زركش وحوائص ذهب - وكانوا من الجمال البارع بحيث يذهل حسنهم النّاظر، ويدهش جمالهم الخاطر - فتعاظمت مسرّة السّلطان برؤيتهم، وكثر إعجابه، وداخله العجب، واستخفّه الطّرب.
وارتجّت الدّنيا بكثرة من حضر هناك من أرباب الملاهي والمغاني (a) وأصحاب الملعوب.
فلمّا انقضى اللّعب عاد السّلطان إلى دهليزه في زينته، ومرح في مشيته تيها وصلفا. فما هو إلاّ أن عبر الدّهليز، والنّاس من الطّرب والسّرور في أحسن شيء يقع في العالم، وإذا بالجوّ قد أظلم، وثار ريح عاصف أسود إلى أن طبق الأرض والسّماء، وقلع سائر تلك الخيم، وألقى الدّهليز السّلطاني، وتزايد حتى إنّ الرّجل لا يرى من بجانبه. فاختلط النّاس وماجوا، ولم يعرف الأمير من الحقير، وأقبلت السّوقة والعامّة تنهب، وركب السّلطان يريد النّجاة بنفسه إلى القلعة، وتلاحق العسكر به، واختلفوا في الطّرق لشدّة الهول، فلم يعبر إلى القلعة حتى أشرف على التّلف. وحصل في هذا اليوم من نهب الأموال وانتهاك الحرم والنّساء ما لا يمكن وصفه، وما ظنّ كلّ أحد إلاّ أنّ السّاعة قد قامت. فتنغّص سرور النّاس، وذهب ما كان هناك. وما استقرّ السّلطان بالقلعة حتى سكن الرّيح، وظهرت الشّمس، وكأنّ ما كان لم يكن.
فأصبح السّلطان وطلب أرباب الملاهي بأجمعهم، وحضر الأمراء لختان أخيه وابن أخيه، وعمل مهمّ عظيم في القاعة التي أنشأها بالقلعة وعرفت بالأشرفيّة. وقد ذكر خبر هذا المهمّ عند ذكر القلعة من هذا الكتاب (١).
وما برح هذا الميدان فضاء من قلعة الجبل إلى قبّة النّصر ليس فيه بنيان، وللملوك فيه من الأعمال ما تقدّم ذكره إلى أن كانت سلطنة الملك النّاصر محمد بن قلاوون؛ فترك النّزول إليه، وبنى مسطبة برسم طعم طيور الصّيد بالقرب من بركة الحبش، وصار ينزل هنالك. ثم ترك تلك المسطبة في سنة عشرين وسبع مائة، وعاد إلى ميدان القبق هذا وركب إليه على عادة من تقدّمه