فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وَصَفْتَ؛ مِن أن ﴿مَا﴾ اسمٌ منصوبٌ بوقوعِ قولِه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ عليها، فأين خبرُ ﴿كَانَ﴾؟ فقد عَلِمتَ أن ذلك إذا كان كما قلتَ؛ أن في ﴿كَانَ﴾ ذكرًا مِن ﴿مَا﴾، ولا بُدَّ لـ ﴿كَانَ﴾ -إذا كان كذلك- مِن تَمَامٍ، وأينَ التمامُ؟
قيل: إن العربَ تَجْعلُ لحروفِ الصِّفاتِ إذا جاءتِ الأخبارُ بعدَها أحيانًا، أخبارًا، كفِعْلِها بالأسماءِ (١) إذا جاءَتْ بعدَها أخبارُها؛ ذكر الفَرَّاءُ أن القاسمَ بنَ معنٍ أنْشَدَه قولَ عنترةَ (٢):
أمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العَينِ تَذْرِيفُ … لو كان ذا مِنْكِ قَبْلَ اليوم مَعْروفُ
فَرَفَع "معروفًا" بحرفِ الصِّفَةِ (٣)، وهو لا شكَّ خبرٌ لـ "ذا". وذكَر أن المُفَضَّلَ أَنْشَدَه ذلك:
*لو أنَّ ذا منكِ قبلَ اليومِ معروفٍ*
ومنه أيضًا قولُ عمر بن أبي ربيعة (٤):
قلتُ أَجِيبي عاشِقًا … بحُبِّكُمْ مُكَلَّفُ (٥)
فيها ثَلاثٌ كالدُّمَى … وكاعِبٌ ومُسْلِفُ (٦)
(١) في ص، ت ١، ت ٢: "بالأشياء". والمثبت من م هو الصواب الموافق للسياق. (٢) شرح ديوانه ص ٩١. وعنده:"سُهَيَّة" مكان "سمية"، و "أن ذا" مكان "كان ذا". (٣) يعني بحرف الصفة هنا: "مِنْ" فى قوله في البيت: "مِنْكِ". (٤) شرح ديوانه ص ٤٦١، ٤٦٢. والبيت الثاني مذكور في اللسان (س ل ف). كرواية المصنف. (٥) كَلِف بالشيء فهو كلِف ومُكلَّف: لَهِج به. وكلِف بها أشدَّ الكَلَف. أي: أحبَّها. ينظر اللسان (ك ل ف). (٦) المسلف من النساء: النَّصَف. وقيل: هى التى بلغت خمسا وأربعين ونحوها، وهو وَصْف خُصَّ به الإناث. اللسان (س ل ف).