للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الشجر]

والشجر كلُّ ما له ساق، والأشجار العظام بمنزلة الحيوانات العظام، والنجوم بمنزلة الحيوانات الصغار، والأشجار العظام غالبها لا ثمرة له كما ترى الساج والذُّلب والعَرْعَر؛ لأن المادة كلها صُرفت في نفس الشجرة، ولا كذلك الأشجار المثمرة، فإن مادتها صُرفت إلى الشجرة والثمرة.

ويشتبه حالها في ذلك بحال الذكور والإناث من الحيوان، فإن الغالب أن الذكور أعظم أبدانًا من الإناث؛ لأنَّ المادة في الإناث يصرف بعضها إلى الأجِنَّة.

ومما تشاركت فيه الحيوان والنبات؛ أمر التغذية، فإنَّ الغذاء كما يسري في بدن الحيوان حتى لا تبقى شعرة واحدة إلا أخذت قسطها، فكذلك الماء الذي تسقى به الشجرة والنبات، فإنه يعلو إلى الأغصان في داخل تجاويف الأشجار شيئًا فشيئًا؛ حتى ينتشر في جميع أوراق الشجر وأطرافها حتى يتغذى كل جزء من كل ورقة، ويجري في تجاويف عروق شعرية صغار ترى في أصل الورق، حتى كأنَّ العِرْقَ الكبير نهر، وما يتشعب عنه جداول في جميع عرض الأوراق، فيصل الماء إلى سائر أجزاء الورقة، وكذلك إلى سائر أجزاء الفواكه.

ومن عجيب صنع الباري تعالى؛ خَلْق الأوراق لباسًا للأشجار، وزينة لها، كالشعر والريش للحيوان، ووقاية للثمار من الشمس والهواء، ثم إنه من لطيف حكمته خلقها مرتفعة عن الثمار، متفرقة بعض التفرّق، لا تتكاثف عليها، ولا تبعد عنها، لتأخذ الثمار من النسيم تارة؛ ومن الشمس أخرى فلو تكاثفت عليها منعتها النسيم وشعاع الشمس، فبقيت صلبة الجلد، قليلة المائية، وإذا سقط بعض الورق، أصاب الثمرة حرّ الشمس فأحرقتها؛ كما ترى من الرمانة التي احترق بعض جوانبها، ثم إذا أدركت الثمرة، تناثرت الأوراق؛ لئلا تجذب مائية الشجرة فتضعف قوتها.

ومن أعجب الأشياء ما نص الله عليه: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١)، ولنذكر ما يتعلق بكل واحد من الأشجار على شرطنا المتقدم مرتبًا، وبالله التوفيق.


(١) سورة الرعد: الآية ٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>