للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[النبات]

النبات متوسط بين المعادن والحيوان، بمعنى أنه خارج عن نقصان الجمادية الصرفة التي للمعادن، وغير واصل إلى كمال الحس والحركة اللتين اختص بها الحيوان، لكنه يشارك الحيوان في بعض الأمور؛ لأنّ الباري تعالى يخلق لكل شيء من الآلات ما يحتاج إليه في بقاء ذاته، فإذا زاد على ذلك يكون كلًا وَبَقْلًا، فلا يخلفه.

ولا حاجة للنبات إلى الحس والحركة بخلاف الحيوان، ومن عجيب صنع الباري تعالى. أنَّ الحب والنوى إذا حصلا في تربة ندية، وأصابهما حر الشمس انشقا، وجَذبا بقوة خلقها الله تعالى فيهما الأجزاء من الأرض، والمائية من الماء، ثم إن تلك الأجزاء يتراكم بعضها على بعض بواسطة قوّى خلقها الله تعالى فيها، حتى يصير الحَبُّ نجمًا بالغًا ذا عُروق وقضبان وأوراق وأزهار وحَبّ، والنوى يصير شجرًا عظيمًا ذا عروق وساق وأغصان وأوراق وثَمَرَة (١).

وهذه القوى خلقها الله تعالى نوعين؛ خادمة ومخدومة، أما الخادمة فأربع، أوّلها الجاذبة، وهي القوة التي تجذب الماء من أسفل الشجر؛ فإنّ الماء ليس من طبعه الصعود؛ ولكن هذه القوة تجذبه، والثانية الماسكة، وهي القوة التي تُمسك هذه النداوة حتى يعمل فيها غيرها، ووجود هذه القوّة في الحيوان أظهر، فإنّ الإنسان إذا شرب الماء، ثم نكسته، لا يخرج الماء من جوفه، فإنّ الماسكة تُمسكه بخلاف الماء في الجرة، فإنك إذا نكستها، يخرج الماء منها؛ إذ لا ماسكة للجرة، والثالثة الهاضمة، وهي التي تجعل تلك النداوة صالحة لأن تصير جزء النجم أو الشجر، والرابعة الدافعة، وهي التي تدفع من تلك الرطوبة ما لا يصلح أن يصير جزءًا منه، وهذه القوة في الحيوان أظهر؛ لخروج البول والروث من الحيوان.

وأما المخدومة، فأربع أيضًا، فأولها الغاذية، وهي قوة تقوم بدل ما ينحل من النبات وتلصقه به وتجعله شبيهًا بجوهر النبات، والثانية النامية، وهي قوة تزيد في أقطار النبات بإيصال الغذاء إليها، وهذه القوة في الحيوان أظهر، فإنها تبعث إلى اليد اليمنى من الغذاء نظير ما إلى اليُسرى حتى يتشابها، وكذلك إلى سائر أعضاء النشوء؛ لا سيما


(١) العجائب ٢/ ٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>