للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من أهل الحديث قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أحضره من بغداد إلى سامرّاء مقيدا وسأله عن القرآن، فقال: ليس بمخلوق، وعن الرؤية في القيامة، فقال: كذا جاءت الرواية، وروى له الحديث، فقال الواثق له: تكذب، فقال للواثق: بل تكذب أنت، فقال: ويحك! يرى كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر؟ إنما كفرت بربّ صفته ما تقولون فيه؟ فقال جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله: هو حلال الضرب، فدعا بالسيف، وقال: إذا قمت إليه فلا يقومنّ أحد معي، فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربّا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنّطع فأجلس عليه وهو مقيد، فمشى إليه، فضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فصلب بها، وصلبت جثته في سر من رأى، واستمرّ ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل، فأنزله ودفنه. ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه، فيها: هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد اللّه الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجّله اللّه إلى ناره. ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح، فذكر الموكل به أنه رآه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه، فيقرأ سورة يس بلسان طلق، رويت هذه الحكاية من غير وجه.

وفي هذه السنة استفك من الروم ألفا وستمائة أسير مسلم، فقال ابن أبي دؤاد - قبحه اللّه! -: من قال من الأسارى «القرآن مخلوق» خلصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه في الأسر.

قال الخطيب: كان أحمد بن دؤاد قد استولى على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن، ويقال: إنه رجع عنه قبل موته.

وقال غيره: حمل إليه رجل فيمن حمل مكبّل بالحديد من بلاده، فلما دخل - وابن أبي دؤاد حاضر - قال المقيد: أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه، أعلمه رسول اللّه فلم يدع الناس إليه، أم شيء لم يعلمه؟ قال ابن أبي دؤاد: بل علمه، قال: فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم؟ قال: فبهتوا، وضحك الواثق، وقام قابضا على فمه، ودخل

<<  <  ج: ص:  >  >>